الثلاثاء، 3 يوليو 2018

هدف مستحق في مرمى الصراع الجنوبي!

بمهارة وجهد سياسي لم يأخذ وقتاً طويلاً نجح السودان في الجمع بين الفرقاء الجنوبيين على مدى يومين في العاصمة السودانية الخرطوم ويؤسس لاتفاق سلام ينهي الصراع الدامي الطويل الذي ظل مسيطراً على الدولة الجنوبية لحوالي نصف عقد من الزمان.
لقد كان ابرز ما تم التوصل اليه بين الفرقاء الجنوبيين : 1/ وقف اطلاق النار وهو النقطة الاكثر أهمية و أثراً والتى من شأنها تعزيز فرص الاستقرار و الهدوء في دولة حديثة التكوين لم ينعم سكانها بأي قدر من الهدوء و الاستقرار منذ ان كتبت لها شهادة الميلاد. 2/ بناء وتعزيز الثقة بين الأطراف المتصارعين تمهيداً لقسمة السلطة فيما بينهما. 3/ العمل على معالجة الأوضاع الانسانية و إيصال الإغاثة إلى المحتاجين.
وبالطبع هناك العديد من النقاط التفصيلية التى تم التوافق حلوها في الخرطوم، ولكن تلك كانت النقاط الأبرز. الرئيس البشير الذي رعى المحادثات بدا في غاية السعادة ليس فقط لان السودان حقق هذا القدر الاكبر من النجاح المؤثر ولكن أيضاً لان الفرقاء الجنوبيين تحلّوا بمسئولية سياسية وإرادة من المؤكد انها ستفتح آفاقاً في سماء علاقات الدولتين لحلحلة العديد من القضايا الخلافية العالقة.
ولا شك ان هذا الدور المؤثر الذي قام به السودان دور استراتيجي محوري و مؤثر، فقد تطاول الصراع الدامي وتجاوز عامه الخامس. وقد تسبب هذا الصراع في فرار اكثر من 2 مليون لاجي إلى دول الجوار، حاز السودان منها على نصيب الأسد. كما ان سوء الأوضاع الأمنية في دولة الجنوب بات يهدد المنطقة والاقليم ويؤثر مباشرة على دول المنطقة و يؤجج من صراعاتها الداخلية. واذا أدرنا ان نقرأ بعض عناصر النجاح التى توفرت للسودان ولم تتوفر لغيره فإننا نلاحظ:
أولاً، السودان هو البلد الأم التى ولدت من رحمها دولة الجنوب ، فهو الأدرى بحكم هذه العلاقة طبيعة التركيبة الاثنية والسياسية للفرقاء الجنوبيين واسباب الصراع نفسه، بل ان السودان على دراية جيدة بالنفسية السياسية لهذا الوضع مما مكنه من ملامسة عصب الازمة و حلحلتها في وقت وجيز.
ثانياً، للسودان علاوة على معرفته الجدية بطبيعة الصراع ودخيلة الفرقاء المتصارعين وخبرة تراكمية طويلة في حل النزاع، فقد استطاع السودان بمرونة وارادة سياسية عالية ان ينهي الحرب الاهلية الطويلة التى ظلت مندلعة بين شماله وجنوبه منذ العام 1955، وقد كانت اتفاقية نيفاشا 2005 بمثابة (تاج) سياسي لامع وضعه ها البلد على رأسه وعلى رأس المنطقة ليضع حدا تاريخياً لصراع مطول جاوز الـ50 عاماَ.
خبرة السودان في قضايا الحرب والسلام خبرة لا يستهان بها، من الطبيعي ان يقوم بتوظيفها لصالح وضع حد للصراع الدول المجاورة.
ثانياً، حاز السودان على خبرة خاصة بالفرقاء الجنوبيين وهي خبرة من الممكن القول انها تأسست منذ اتفاقية أديس أبابا 1972 مروراً باتفاقية الخرطوم 1998 مروراً بنيفاشا 2005م. ففي كل هذه الاتفاقيات استطاع المفاوض السوداني ان يسبر غور الأطراف الجنوبيين و يدرك مولهم ومزاجهم و رؤاهم ومواقفهم السياسية.
رابعاً، شعور الفرقاء الجنوبيين -الذي بدا واضحاً عند حضورهم للخرطوم- بأن إخوتهم السودانيين بما هو معروف عنهم من عاطفة جياشة وحرص على السلام و الاستقرار على تسوية الأزمة؛ سهل من مهمة الدبلوماسية و الرعاية السودانية .
الفرقاء الجنوبيين لديهم شعور عارم بأن القادة السودانيين الذي منحوهم دولة مستقلة ثمناً للصراع الطويل و رغبة فى إنهاء أي مظهر من الصراع، هم قادة حريصون على استقرارهم و شديدي الإيمان  بأمنهم، ولهذا فان من الطبيعي ان يستجيبوا لرجاءاتهم ووساطتهم.
و هذا، في واقع الأمر نجح السودان في ما فشل فيه الآخرون. و لهذا فان المجتمع الدولي و الإقليمي الذي لمس سرعة انجاز المهمة عليه الآن ان يعاون الأطراف كافة في ضمان تنفيذ الاتفاق و رعاية مساره الطويل لكي يمضي إلى نهاياته السعيدة، فقد أنجزت الخرطوم ما يليها ووضعت الكل أمام مسئولياتهم وتبقى ان تحافظ الأطراف المحلية و الإقليمية على تنفيذ الاتفاق و تفادي حدوث انتكاسة تعيد الجميع إلى المربع الأول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق