الاثنين، 6 فبراير 2017

"حلايب سودانية"

"الكاميرون يا أخت بلادي يا شقيقة"، لا يتواني محمد الشاب السوداني المنحدر من أرض الشمالية، أن يعلن تشجيعه لمنتخب الأسود الكاميرونية للفوز ببطولة الأمم الأفريقية في مواجهتهم أمام الجارة مصر.. يحاول صديقه أن يثنيه عن خطوته تلك، متوشحاً وحدة المصير ووحدة اللغة والثقافة الشاربة من نهر واحد، لكنه يرد بهجمة منظمة، حيث يقو إن أًصدقاء روجيه ميلا لا يحتلون جزءاً من أرضنا إن فازوا بالبطولة لن يرفعوا رايات فرحهم في (حلايب) فيزداد حزننا.
تبدو الحكاية أكبر من تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم وهو يعلن البطل الجديد لنسخة أمم أفريقيا، وتقف عند محطة أمة سودانية قدر لها أن تعود قبل أن تطأ بأقدامها أرض مهرها الجدود بدمائهم.. أرض هي جزء لا يمكن فصبه من الكل، في ما يتعلق بجغرافيا السودان.. تردد الأصوات منادية أن حلايب سودانية وستظل كذلك.
الأمر هنا يبدو متجاوزاً لتسعين دقيقة، ولمباراة تنتهي بصافرة الحكم يوشح بعدها المنتصر بميداليته، هنا ولاية البحر الأحمر شمال شرق عروس البحر وعاصمة الولاية بورتسودان وعلي بعد خطوات من مرفأ محمد قول ترتفع لافتة صغيرة كتب عليها (مرحباً بكم في مدينة حلايب) تكتشف لاحقاً أن الترحيب غير مكتمل.. تشرحه لافتة أخري علقت علي بوابة مبني كتب عليها محلية حلايب في عاصمتها المؤقتة مدينة أوسيف.. النقطة الحقيقية تسيطر عليها القوات المصرية منذ تسعينيات القرن المنقضي..يقفون هناك علي البوابة التي وضعت في مكان غير مكانها، علي مقربة من السلك الشائك، يرددون أوامرهم (حسبك من السودانية أن تقف هنا) أوراقك الثبوتية السودانية لا تمنحك حق العبور أكثر مما فعلت..هذا الأمر بدا واقعاً منذ توغل المصريين جنوباً وفرضهم سياسة الأمر الواقع، واكتفاء الحكومة السودانية بجدلية عدم التصعيد مع الجارة الشقيقة.
في القمة الأفريقية التي التأمت بأديس أبابا مؤخراً جاء في المخرجات أن قمة ثنائية بين الرئيس البشير والرئيس المصري انتهت إلي ضرورة إغلاق ملف حلايب بطلب مصري، ولكن الأبواب التي قيل أنها أغلقت في أديس سرعان ما انفتحت.
يرسم الواقفون علي بوابة حلايب داخل الأراضي السودانية مشهداً جديداً أمس، حين يطالبون فريق فيلم (أرض السمر) بعدم التصوير داخل المثلث المحتل.. بحسب الأنباء التي بعث بها فريق التصوير، فإن معركة اندلعت بين الفريق وجنود الحراسة المصرية، لما كان الفريق ساعتها مدعوماً بالسمر من مكونات المنطقة من مجموعة البشاريين الذين أًروا علي أن يتم تصوير المنطقة باعتبارها جزءاً من أرض السودان..(حلايب سودانية)، هكذا رددها مخرج السلسة الوثائقية سيف الدين حسن، الذي أكد علي قيامهم بالتصوير عبر كاميرات ثابتة، وكذلك عبر طائرة من دون طيار حلقت فوق الأراضي السودانية بحلايب..سيف يقول إنه يحمل تصريحاً يسمح له بالتصوير في كل بقعة من بقاع الأراضي السودانية، ومن باب أولي أن يلتقط الصور من حلايب الواقعة تحت الاحتلال..المشهد الخاص بتصوير حلقات أرض السمر، يعيد للأذهان مشاهد كاميرات أخري كانت تغرسها القنوات المصرية في قلب المثلث في إطار سعيها لإثبات مصريته، وهو الإثبات الذي أكد علي النفي، فكل ما قدم هناك لم يكن يمت لمصر بصلة، كان سودانياً هواه، من البداية وحتي النهاية.
قبل فترة كان والي البحر الأحمر علي أحمد حامد، يقف عند المثلث ويعود أدراجه لكنه يخبر الصحفيين بأنه لا تنازل عن المنطقة، وكمن يحاول الهروب إلي الأمام، يؤكد أن القضايا المتعلقة بالحدود هي اختصاص الحكومة القومية، لكنه يؤكد علي سعيهم من أجل تقديم الخدمات للمواطنين هناك، وإعطائها الأولوية لكن علي الرغم من هذه الوعود، فإن المقدم في الجزء المصري يفوق أضعاف ما تقدمه الحكومة السودانية، رغم ذلك فإن مواطناً ينتمي إلي مجموعات البشاريين يقول لـ(اليوم التالي) إن خدمات الحكومة المصرية لا يمكنها أن تكون بديلاً للانتماء السوداني.
علي الدوام ظلت الحكومة السودانية في موقفها المركد علي سودانية حلايب. في ظهوره علي قناة العربية مع الإعلامي تركي الدخيل، لا يترك رئيس الجمهورية مكانه دون أن يعلق علي ما يجري في حلايب.. التأكيد علي سودانيتها، ويؤكد أن الأمر له ارتباطات بالعلاقات السودانية المصرية.. الرئيس يؤكد علي عمق علاقته الشخصية  مع الرئيس عبد الفاتح السيسي، وأردف: "مشكلتنا ليست مع السيسي، وإنما مع النظام" ويكمل:"توجد معارضة سودانية تجد  دعماً من المخابرات المصرية"، وقال إنه في كل لقاء يجمع الطرفين يطلب السودان من الحكومة المصرية إيقاف دعمها للمعارضة السودانية.
هناك وعلي الكثبان الرملية في المنطقة يرسم الجنود السودانيون دائرة يجلسون عليها، ولا ينسون تقديم التحية العسكرية، هناك فقط، لأن في زمن ما هبطت طائرة الرئيس عبد الله خليل حين تقدم الجيش المصري جنوباً تسبقه العبارة الأشهر: "لن نترك صخرة في هذه الفيافي حتي نرويها بدمائنا".
عندها عاد الجيش المصري إلي ثكناته، وبقيت حلايب علي سودانيتها.
بالنسبة لمحمد، فإن تشجيعه للمنتخب الكاميروني تعبير عن موقفه الرافض لوجود المصريين في الأراضي السودانية.. وحتي الآن هو يشجع عودة حلايب كجزء من الوطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق