الأحد، 21 مايو 2017

“محنة جنوب السودان”

على طول ضفاف بحر أبيض وبمجرد دخولك للحدود الجغرافية لولاية النيل الأبيض، تتراءى لك مشاهد وصور لاجئي دولة جنوب السودان الفارين من دوي وقصف المدافع وأزيز الرصاص، يجترون ذكريات فردوسهم المفقود،أيام كانت مساحة السودان (مليون ميل) مربع، بينما هم يشربون من مائه العذب ويخففون به حرارة الشمس اللاهبة التي تشوي أجسادهم المنهكة من طول المسير لآلاف الأميال بحثاً عن الأمن والاستقرار الذي فقدوه في أنحاء دولتهم الوليدة.. على البعد صبية يتسابقون للوصول إلى جداوله تصل إليهم العربات محملة بالمعونات (غذاء، كساء، علاج) من قبل أهلهم الذين لم يتناسوا التاريخ المشترك والماضي العريق.
الوضع في معسكرات اللاجئين داخل حدود ولاية النيل الأبيض البالغ عددها (8) معسكرات، يحتاج إلى مزيد من التدخلات والدعم من قبل منظمات ووكالات الأمم المتحدة العاملة في مجال الإغاثة، فالعدد الآن يفوق الـ(140) ألف لاجئ جنوبي بخلاف أعداد من هم خارج معسكرات اللجوء والمنتشرين حول المدن وقراها على طول الشريط النيلي، شرقاً وغرباً، إلى حدود الولاية مع الخرطوم. ويقول محمد إدريس الشيخ، مفوض العون الإنساني بالولاية، إن وكالات ومنظمات الأمم المتحدة لم تلتفت إليهم بصورة واضحة، ما جعلهم يشاركون مواطن الولاية في مواعين الخدمات في الصحة، الغذاء، الكساء والدواء، بالإضافة للأمن والاستقرار كمطلوبات ينبغي توفرها لهم في محليتي الجبلين والسلام على الحدود التي تتقاسم عبء استضافتهم الآن بصورة رسمية.
ليست هناك إفرازات أمنية تعاني منها الولاية جراء استضافتهم، ولم تسجل مضابط السلطات الأمنية أي بلاغ أمني مزعج حتى الآن، كما أن الأوضاع على حدودها مع دولة جنوب السودان التي يبلغ طولها (165) ك/م هادئة. وبحسب محمد إدريس فإن الجنوبيين المنتشرين في الولاية خارج المعسكرات من الفئة التي استطاعت الوصول عبر ولايات البلاد الأخرى، وهذا بالنسبة للمفوضية (دخول غير مرصود)، وهو ما غيَّب الإحصائية الدقيقة لأعداد اللاجئين بالولاية من المفوضية التي أشارت إلى وجود وضع إنساني لشريحة أخرى هم السودانيون العائدون من دولة الجنوب والذين دفعتهم ذات الظروف.. وهؤلاء، حسب إدريس، تجاوز عددهم الـ(70) ألف عائد، يجاورون حاملي جنسية جنوب السودان في السكن بمحليتي السلام والجبلين.
استجابة المنظمات العالمية ووكالات الإغاثة بالنسبة للسودانيين العائدين من الجنوب ضعيفة، مقارنة بما تقدمه حكومة السودان، وهم أيضاً يشكلون عبئاً على حكومة الولاية في ما يتعلق بالخدمات. وفي تنوير صحفي لمفوض العون الإنساني، أمس (الأربعاء)، فإن ما تقدمه وكالات الأمم المتحدة يحتاج إلى إسناد سيما أن التدفقات كبيرة وتفوق طاقة الولاية التي مازالت تمنح من التسهيلات للمنظمات ما يمكن أن يحد من زيادة تدفقاتهم، فالجوع مازال يحاصر الكثيرين في أنحاء دولتهم، وتابع: “نأمل من وكالات الأمم المتحدة أن تلتفت إلى أعداد اللاجئين خارج المعسكرات، وأن تعمل على توسعة المواعين الخدمية في مجالات الصحة والتعليم والمياه”.
تحول اسم ملف الجنوبيين في الشمال الآن من وافدين إلى لاجئين، بسبب استمرار هجرتهم إلى الشمال عقب إعلان المجاعة، وفي ظل استمرار القتال هناك. وأرجعت المفوضية أسباب فتح المسارات لنقل الإغاثة إلى دولة الجنوب، فيما أشار لاضطلاع الحكومة بدورها تجاه اللاجئين، وأبان أن المسارات التي فتحتها الحكومة خففت الضغط على الولاية، وزاد: “هناك تأثير إيجابي ناتج عن فتح المسارات”، وقال إن الخرطوم أغلقت أبواها لدخول الجنوبيين، نسبة للضغط العالي والأعداد المهولة هناك.
حتى الآن لم تستقبل ولاية النيل الأبيض أي مسؤول رسمي من دولة جنوب السودان لتفقد اللاجئين، عدا سفير جوبا بالخرطوم الذي زار ولاية النيل الأبيض مرة واحدة ضمن منظومة لتدشين مكرمة رئيس الجمهورية لدولة الجنوب، وطبقاً للاجئين تحدثوا لـ(اليوم التالي) أمس (الأربعاء)، فإن هناك زيارات متكررة من قبل حكومة الولاية لهم في المخيمات.
ينفي د. ناويلا تول أدوك، المدير الطبي لمستشفى معسكر العلقاية، وجود أي حالات لإسهالات مائية، إلا أنه أشار في إفادات له إلى أن تردد المرضى على المستشفى يتراوح ما بين (100 إلى 120) حالة، معظمها إصابات بالملاريا والتهابات المسالك البولية، وقال ناويلا إن هناك نقصاً في أدوية الملاريا. فيما طالب السلطان بيتر كوي قرنق بتوفير ألبان للأطفال الصغار، وتشييد المزيد من الفصول الدراسية نسبة لارتفاع عدد الأطفال في سن الدراسة بالمعسكر، وقال لـ(اليوم التالي) إنهم لا يتوقعون توقف الحرب في دولة جنوب السودان قريباً، وأبان أن الأطفال بالمعسكر يزيد عددهم عن الـ”4” آلاف طفل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق