كان متوقعا هذا الذي يجري في جوبا
الآن.. والعالمون ببواطن الأمور يتحدثون عن أكثر من خمس سنوات من الخلاف
المكتوم بين الرجلين.. ولئن بقي رياك مشار طرفا رئيسا في معادلة الخلاف..
فرجل آخر يتقدم الآن ليحل محل سالفا كير في طرف المعادلة الآخر..
إنه حليفه السابق تعبان دينق.. والناس
يذكرون المعركة الانتخابية الشرسة بين تعبان وحرم مشار.. وظن الجميع بمن
فيهم تعبان أن ذلك عهد مضى.. فانخرط بحماس في المفاوضات.. وحقق لزعيمه
ولمجموعته مكاسب جمة في قسمة السلطة المصحوبة بقسمة الثروة.. وتقديرا
لبلائه الحسن.. ظن تعبان رئيس فريق التفاوض عن مجموعة مشار أن من الطبيعي
أن ينال حظه من الثروة بعد أن وضع كل السلطة في يد مشار.. فراح الرجل يتطلع
لمنصب وزير النفط.. ففي جنوب السودان.. وحين يكون الحديث عن الثروة.. فلا
شيء ذو قيمة غير النفط.. لذا كان تابان يمني نفسه بتلك الدجاجة التي تبيض
ذهبا.. وزارة النفط.. ولكن تعبان فوجئ.. كما فوجئ الكثيرون غيره.. بأنه قد
أطيح.. وركنوه إلى وزارة المعادن.. صحيح أن مشار تحدث عن حيثياته في توزيع
الحصص الوزارية بتلك الطريقة التي أبعدت تعبان عن حلم عمره.. إلا أن الأخير
رأى في حيثيات مشار.. كلمة حق أريد بها باطل.. ترسخت قناعة تعبان .. أن ما
فعله مشار بإقصائه من مكمن الثروة.. بإيعاز من جهة ما تأبى أن تنسى ما جرى
أيام الانتخابات.. على حد زعم جماعة تعبان .. لم يكن هدفه إنصاف جهة ما بقدر
ما كان هدفه إقصاء تعبان دينق. الأسبوع الماضي حين كتبنا عن إقصاء
القائدين سالفا ومشار لصالح مالونق وتعبان .. لم نكن نرجم بالغيب.. ولكن
المعطيات كانت تترى لمن ألقى السمع وهو شهيد.. يمكن القول الآن.. إن نصف
توقعاتنا قد أصابت.. أما النصف الآخر فهو رهين بتوفر ظروفه.. فالنصف الأول
قد تحقق بفضل توفر ظروفه.. التي بدأت بالتهديد المباشر لمشار بإرعابه حتى
وهو داخل القصر الرئاسي.. ثم قصف معسكره الرئيس.. ثم قصف منزله.. ثم الدفع بتعبان ليتحدث لقناة الجزيرة عن تهدئة الأوضاع.. هل سأل أحد: لماذا تابان
في تلك اللحظة يطل على الناس مبشرا بالهدوء.. ؟ مضى السيناريو.. خلاصته
إبعاد مشار عن المسرح.. وبالفعل خرج مشار من جوبا في المرة الأولى.. ولكن
الذين يدركون خطورة غياب مشار بذلوا كل شيء لإعادته إلى جوبا مرة أخرى..
فعاد.. بضمانة الأمم المتحدة التي لا تضمن نفسها.. ولكن ترتيبات ملونق تعبان مضت كما هي.. الترهيب.. بل وأعنف مما كانت.. وعاد السيناريو إلى
مساره المطلوب.. فغادر الدكتور رياك مشار جوبا مرة أخرى.. ثم جاء دور سالفا
كير.. وكان مطلوبا من ذلك الدور أن يكون متسقا مع السيناريو الأساس..
سيناريو إقصاء مشار.. فجاء الإنذار الرئاسي.. لمشار بالعودة إلى جوبا.. بدا
الأمر لوهلة وكأنه إنذار لموظف حكومي متغيب عن العمل دون إذن مع التهديد
بالفصل من الخدمة..! كان مضحكا الإنذار.. ثم التهديد.. لكن الذي كان أكثر
إثارة.. تعجل الجميع إحلال تعبان محل مشار.. وكأن خلو المنصب هو وحده سبب
كل مآسي جنوب السودان.. فلم يكن غريبا أن تصدر مجموعة مشار تحذيرا من
دخولهم في حرب شاملة للدفاع عن أنفسهم في حال استمرار القوات الحكومية في
مهاجمتهم، وتنفيذ مخططها لإطاحة مشار من منصبه وتعيين وزير المعادن، تابان
دينق في محله..!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق