السبت، 28 نوفمبر 2015

العلاقات السودانية المصرية من منظور استراتيجي!

يتعجل الكثير من المراقبين ويستعجل البعض إتخاذ الحكومة السودانية (قرارات ساخنة) حيال بعض الممارسات الخاطئة التي يتعرض لها رعايا سودانيين من قبل السلطات المصرية هذه الأيام.
ما فعلته الحكومة حتى الآن وتقديمها لاحتجاجات واستفسارات -عبر القنوات الدبلوماسية- للجهات المسئولة في الشقيقة مصر، هو الإجراء الضروري الذي عادة ما تقوم به أي حكومة حيال أمور كهذه، فالأمور لا تصل الى (القاع) على النحو الذي يريده البعض، رغم أن ما تقوم به السلطات المصرية عصيّ على الإحتمال والقبول!
إن مما لا شك فيه أن العلاقات السودانية المصرية علاقات إستراتيجية شديدة الأهمية والخصوصية يحرص السودان عادة -أياً كان النظام الحاكم فيه- على المحافظ عليها محافظة أمينة وجادة، وهي علاقات ترتكز على : 1-إرث مشترك. 2-عمق استراتيجي متبادل صنعته الجغرافيا ورسخه التاريخ. 3-مصالح إستراتيجية مشتركة لا فكاك منها.
هذه المرتكزات الثلاثة الأساسية ليس من السهل إخضاعها –بين عشية وضحاها– لمقتضيات تكتيكية أو أحداث عابرة . صحيح إن الأعراف الدبلوماسية المقررة وفق القوانين الدولية تبيح في مثل هذه الحالة أن يتعامل السودان بالمبدأ الذهبي المعروف (المعاملة بالمثل). وصحيح أيضاً إن السودان قادر على استعدال كفة الميزان في علاقات البلدين بما هو متاح لديه من وسائل سياسية ودبلوماسية متعددة الخيارات.
ولكن الأهم من كل ذلك، أن تظل العلاقة قوية لا تتأثر بالأحداث العابرة إذ أن ما تقوم به السلطات المصرية حالياً ضد بعض المواطنين السودانيين على أراضيها لا يمكن اعتباره عملاً ممنهجاً يحمل صفة الاستهداف والدوام. لم يتأكد حتى الآن بل من السابق لأوانه أن هذا المسلك بمثابة عمل منهجي ويجري بإنتقائية مقصودة. فالسلطات المصرية تقول إن ما تقوم به يأتي في إطار إجراءات عامة لمنع تجارة العملة المخربة لاقتصاد الدولة وأنها حين تقوم بهذا الإجراء لا تستهدف رعايا بعينهم، ومن الجائز جداً أن يكون الأمر على هذه الشاكلة، ولكن من المؤكد أن هناك تجاوزات، وربما تكون قد وقعت على نحو فردي ومعزول لا يمثل سياسة الدولة.
وعلى ذلك إذا أردنا تلخيص الرؤية الإستراتيجية التي تتبناها الحكومة السودانية في علاقاتها بالشقيقة مصر فإن بإمكاننا تلخيصها في عدة نقاط أساسية بالغ الأهمية:
أولاً، المحافظة على أقوى علاقة مع الشقيقة مصر حتى في أوقات الشدة والأزمات. وربما لاحظ البعض ومنذ أيام نظام الرئيس الأسبق مبارك أن السودان لم يعمل على تصعيد الأزمة في مثلث حلايب المتنازع عليه بين الدولتين، بل إن هذا الموقف حاضر بين الجارتين حتى في خسمينات القرن الماضي حين أبدى الجانبان حرصهما على العلاقات الإستراتيجية بين البلدين بلا أي تصعيد سياسي أو عسكري مهما كانت الدواعي.
ثانياً، تفضيل الوسائل الدبلوماسية الهادئة في حل الخلافات وبأقصى درجات ضبط النفس إذ أن الشاهد هنا أن الخلافات بين الجانبين لا ترتكز على نظام حكم بعينه ومدى تجانسه أو تناقضه مع نظام الحكم في البدل الآخر، فكما هو معروف فإن هذه الخلافات كانت حاضرة حتى على عهد الرئيس المصري السابق مرسي، وقد سبق لوزير خارجية السودان الأسبق (علي كرتي) أن أشار إلى أن الأضرار التي لحقت بالسودان في عهد مرسي أكثر من غيره  من الأنظمة المصرية!
ثالثاً، عدم الاستناد على الحوادث العابرة، ذات الشحن النفسي والوجداني للاستعانة بها في علاقات البلدين، فالخاسر في هذه الحالة هو شعب الدولتين، والحكومات في البلد ليست دائمة ولكن الوشائج بين الشعوب هي التي تدوم و تبقى.
وعلى كلٍ فإن الدبلوماسية العادية ومن بعدها الدبلوماسية الرئاسية قادرة على وضع حد لهذه الخلافات والعبور عليها عاجلاً أم آجلاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق