الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

الاستراتيجي لا التكتيكي

* تشكل زيارة سلفاكير مايرديت رئيس دولة جنوب السودان إلى الخرطوم اليوم الحدث السياسي الأبرز، لأنها ستجري مقدمة للاجتماع الطارئ الذي سيعقده رؤساء دول الإيقاد في العاصمة الإثيوبية غداً، لمناقشة أزمة جنوب السودان.
* الزيارة القصيرة التي ستمتد عدة ساعات ستتم على خلفية المبادرة التي أطلقها الحزب الحاكم في تنزانيا (CCM) لتوحيد الحركة الشعبية وإنها الحرب في الجنوب، وشاركت فيها كل الفصائل الجنوبية، وانعقدت بمدينة أروشا التنزانية مطلع الشهر الماضي.
* يعتقد كثيرون أن السودان أولي من التنزانيين وغيرهم بالاجتهاد لحل أزمة الجنوب، وإنها الحرب في الشطر السابق، لأنه المتضرر الأول (بعد الجنوب نفسه) من الحرب التي حصدت أرواح مئات الآلاف من الجنوبيين، وقلصت إنتاج البترول، وعطلت التجارة بين البلدين، فتأثر بها السودان سلباً قبل غيره.
* عندما حاورت (اليوم التالي) الدكتور رياك مشار قبل فترة، تحدث باستفاضة عن الدور الذي يمكن للسودان أن يلعبه لإنهاء حرب الجنوب، وقال إن الرئيس البشير يعتبر أولي رؤساء الإيقاد بالسعي الى إيقاف الحرب، لأنه يعرف تفاصيل الصراع بدقة، ولأن المناطق التي تدور فيها المعارك كانت تتبع للسودان سابقاً، وقد حكمها البشير بنفسه أكثر من عشرين عاماً، كما أنه يعرف أطراف الصراع جيداً، ويعرف طريقة تفكير كل واحد منهم، ويدرك كيف يعملون، وذلك لا يتوافر لأي رئيس آخر في المنطقة .
* ذكر مشار أنه يؤمن تماماً أن البشير يمتلك كل مفاتيح حل أزمة الجنوب، ويستطيع أن يوقف الحرب، وقد سألته: كيف يمكن للسودان أن يوقف الحرب إذا أراد؟
فذكر أن الضغط على سلفاكير لإقرار حل سلمي مع مخاصميه عبر التلويح بوقف ضخ النفط الجنوبي سيجبره على التخلي عن الحل العسكري، ويلزمه بالاتجاه إلى الحل السياسي.
* حديث مشار لا يخلو من المنطق، لأن الحياد السلبي الذي وقفته الخرطوم خلال الفترة السابقة كانت نتيجته ازدياد التهاب الأوضاع في الجنوب، وتعطيل معظم حقول النفط الجنوبية، وتراجع الإنتاج اليومي من 350 ألف برميل إلى 120 ألفاً، ويتسبب ذلك كله في تقليص عوائد الجنوب إلى الثلث، وتراجعت تبعاً لذلك مداخيل السودان من رسوم تصدير النفط الجنوبي إلى النسبة نفسها.
* المصيبة تكمن في أن تعطل حقلي (سارجاث وفاريانغ) لن يكون خاتمة المطاف في مسلسل تراجع إنتاج النفط الجنوبي، ما لم تتوقف الحرب التي تدور معظم سيناريوهاتها في مناطق إنتاج النفط، لتصيب اقتصاد الدولتين في مقتل.
* لذلك كله نتوقع من الخرطوم ان تتخذ من زيارة سلفاكير منطلقاً لدور جديد، يتخطي الحياد السلبي ليعزز مساعي الإيقاد لوقف الحرب، ويستهدف إعادة السلام لدولة باتت مصنفة على أنها الأكثر فشلاً في العالم أجمع.
* يجب على الطرفين أن يغلبا الخيار الاستراتيجي على التكتيكي، ويغادرا محطة الشكوك والاتهامات المتبادلة إلى آفاق التعاون المشترك، وينتبها إلى أن ما يحدث في كل دولة يؤثر على الأخرى، سياسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً.
* مطلوب تنشيط عمل اللجنة الأمنية التي يقودها وزيرا دفاع البلدين، كي تنشط معها بقية الملفات الأخرى، وعلى رأسها هموم الخيار الصفرى للديون، والمعابر والبترول وكل اتفاقيات كف الأذى والابتعاد عن الكيد المتبادل.
* نتوقع من سلفاكير أن يتعامل مع الزيارة بذات الحكمة التي تعامل بها البشير مع زيارته الأخيرة لمصر، عندما ابتعد عن الخوض في الملفات الخلافية، وركز على نقاط الالتقاء، فأصابت زيارته نجاحاً أدار الرؤوس.
* نرجو للزيارة ألا يجري عليها ما جرى على سابقاتها، التي لم تنتج إلا المزيد من البرود في علاقة يفترض أنها حيوية ومصيرية، لبلدين يربط بينهما حبل سري، يمدهما بإكسير الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق