الثلاثاء، 5 يناير 2016

مأزق العلاقات المصرية الإثيوبية

إلى متى هذا الاختناق المتبادل في العلاقات المصرية الإثيوبية بسبب مشروع سد النهضة؟ وأين موقع السودان في هذا الانسداد للعلاقات الثنائية، والذي يمتد تدريجيا إلى وقائع العلاقات الثلاثية؟ حملت الأخبار الكثير من علامات الاستفهام، التي يجيب عليها البعض بالتفاؤل والآخر بالتشاؤم، أثناء وبعد اجتماعات الخرطوم في 27/28 ديسمبر 2015. ويلفت النظر فيما سمى «وثيقة الخرطوم»، التي صدرت هكذا للإيحاء بأنها تطور لوثيقة أو «إعلان المبادئ» في مارس 2015 أيضاً. وما لفت النظر هو التعليقات الرسمية التي أعقبتها، من القول بأنها «مطمئنة»(مصر)، أو أنها «تاريخية وقانونية» (السودان)، أو أنها تعبر عن «الشراكة الاستراتيجية»(إثيوبيا) بما لكل ذلك من دلالات. والحق أن الصيغ الثلاث تعبر بالفعل عن طبيعة موقف وحالة الأطراف الثلاث، ونتائج مباحثاتهم، والكل في النهاية قد نجح في «تأجيل الأزمة» ببعض التزحزح عن الموقف القديم، تاركاً إياها ل«نتائج الدراسات» (8-12 شهر)، واستمرار «التفاوض» والعودة للمرجعية العليا – لجنة الرؤساء. هذه الصورة المدققة لا توحي بالتشاؤم، أو التفاؤل، لكنها توحي في الواقع بقدر من التقدم لمصلحة المفاوض المصري في «تأجيل الأزمة»، وقدر من المهارة لدى الإثيوبيين للتخفيف الفعلي من مخاوف المصريين وامتصاص غضبهم! ثمة عدة عوامل تدفع لهذه الاستنتاجات القابلة بدورها للجدل.
فالمصالح الرأسمالية العالمية معنية عبر أدواتها في البنك الدولي وغيره بقضية مشروعات الطاقة من جهة، ومصدرها المائي من جهة أخرى، وفي أفريقيا ينسق ذلك بعناية بين المياه التي تسقط على هضبات إثيوبيا والكونغو، وفوتاجالون على الأقل، وصلة ذلك معروفة بسدود كبرى على نهر النيل والكونغو والنيجر، ولذا تلعب الدول الكبرى أدوارها لدى دول الأحواض، وهي ناجحة على نهر الكونغو والنيجر وزمبيزي، لكنها ما زالت تحتفظ بكلمتها – أو قل لا نعرفها جيداً - بالنسبة لنهر النيل مع إثيوبيا ومصر. ومن هنا ذلك الغموض الذي يحيط بالأزمة المصرية الإثيوبية
لكن ثمة اعتبار آخر، حيث يشكل النظام الإقليمي والدولي عاملاً لمصلحة الاطمئنان الإثيوبي حتى الآن. فأمام إثيوبيا تعاملات مع أطراف مختلفة الاتجاهات من إيطاليا إلى الصين إلى الهند، فضلاً عن البنك الدولي والولايات المتحدة، (بل وتزحف إليها عناصر جديدة مثل تركيا. ولذا لا تبدو إسرائيل ذات وزن هنا). لكن معظم هؤلاء أنفسهم ذوو صلة مماثلة بمصر، وخاصة إزاء المصالح الإيطالية في غاز البحر المتوسط أو الصينية في طريق الحرير..الخ
هناك عامل أقل خطورة يتمثل في الموقف السوداني نفسه، والمفروض أن ينطلق من عضويته مع مصر في الهيئة العليا المشتركة لمياه النيل منذ 1959 على الأقل، وخبرة مصر في ضبط النهر وسدوده، قديمة ومقدمة للسودان منذ عقود، ومع ذلك فإن استفادة النظام في السودان – ولا أقول الدولة- من مهادنة مصر له في تلك الفترة بسبب مشكلة السد تعتبر عنصراً مهماً تجعل السلطات السودانية هنيئة البال مع الموقف الإثيوبي وليس المصري، خاصة والإغراء بمد بالطاقة الرخيصة – للسودان- بعد قيام السد في ظروف البلد الاقتصادية السيئة يعتبر دافعاً لاستجاباتها أكثر للموقف الإثيوبي. هناك اعتبار داخلي في إثيوبيا له أثره متعدد الوجوه، فإثيوبيا لابد أن تربط مشاريعها القومية بسرعة تنمية نافعة لشعوبها، وأهم هذه الروابط هو سمعة صلاحيتها للاستثمارات، وخاصة بعد إنشاء مثل هذا السد، مع مراعاة أن معظم قوى الاستثمار دولية أو عربية ذات صلة بمصر أيضاً كما أشرنا. والحقائق الاقتصادية عن إثيوبيا كما رواها اقتصادي متخصص مثل «أحمد النجار» في مصر تحيل إلى وضع في إثيوبيا لا تحسد عليه أبداً، يدفعها لضرورة اللجوء لمشروعات التنمية المشتركة والتكاملية (كما تتضح دائما) على وجه السرعة. فإثيوبيا في تقارير البنك الدولي 2015 تملك دخلاً قومياً (–اسمياً-) إجمالياً 53.2 مليار دولار مقابل 273.1 مليار دولار لمصر، وباحتساب الناتج القومي طبقاً لتعادل القوى الشرائية نجده 144.4 مليار دولار في إثيوبيا مقابل 919.2 لمصر، ويبلغ متوسط تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر في إثيوبيا 1.2 مليار دولار مقابل4.8 مليار في مصر، والمتراكم منه في إثيوبيا 7.3 مقارنا بنحو 8.8 مليار في مصر. أما الديون الخارجية فتعادل 26.8% من الناتج القومى في إثيوبيا، و16.7% في مصر. هذه عوامل مهمة في أية حسابات لتصرف الدولتين في تقديري، ولذا أقول إن المهارة الإثيوبية جعلت معدل النمو الحقيقي بالنسبة لناتجها المحلي الإجمالي 10.2%، (بين 2007-2014) بينما يحبو في مصر عند 4% طوال هذه الفترة!
إذن فالدولتان في سباق التنمية بأكثر مما هما في سباق كسب معركة الاتفاق حول«الملء الأول» «والتخزين والتشغيل» مما اتفق على حسمها عقب الانتهاء من الدراسات. ولذا ثمة عروض مصرية متكررة عن المشروع المشترك لاستخدام المياه والكهرباء، ولابد أن ثمة دراسات أيضا لا أشعر بوجودها حول متغيرات الجفاف والفيضان اللذان تضار منهما إثيوبيا والسودان قدر الإضرار بمصر، بل وهناك الاعتبارات السياسية الداخلية على الجانبين. والأهم من ذلك على الجانب المصري زراعياً وإنسانياً، مدى قوة الضغط المصري في الدائرة العربية والدولية، لتصبح مصر جاذبة للاستثمار، أو معبئة للمواقف المعاونة لها تجاه إثيوبيا، ولن يفيد هنا طبعاً المهارة في تسويق الأوهام والضبابية. لا مفر إذن من استمرار التفاوض واستعمال كل الأوراق مع التشاور الشعبي حولها.

الاثنين، 4 يناير 2016

غداً.. وفد فني يُغادر ﻷديس أبابا لحضور اجتماعات «سد النهضة»

يغادر القاهرة، غداً الثلاثاء، وفد فني من وزارة الري، متجهاً إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لدراسة المقترح المصري بفتحات تصريف المياه خلف سد النهضة من 2 إلى 4 بوابات، بحضور استشاري من شركة “ساليني” الإيطالية المنفذ للسد.
ويشمل تصميم سد النهضة، فتحتين لتمرير المياه تحت جسم السد، وأربع فتحات لتوليد الكهرباء في مستوى جسم السد نفسه، ويشمل المقترح المصري زيادة عدد فتحات تمرير المياه من خلف جسم لضمان استمرار تدفق المياه خلال فترات المناسيب الضعيفة لمجرى نهر النيل في اتجاه السودان ومصر.
ومن المقرر، أن يتم خلال الاجتماع مناقشة الدراسات الفنية المصرية والإثيوبية للوصول إلى تقرير سيتم رفعه إلى اللجنة السداسية.

حاجات مصر المائية وسد النهضة

قال الدكتور علاء النهري -نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، إن الأقمار الصناعية أظهرت أن عملية تخزين جزئي لسد النهضة الإثيوبي قد بدأت فعلا مع انتهاء إثيوبيا من إنشاء توربينين كاملين وتشغيلهما وإطلاق المياه فيهما لتوليد الكهرباء.. وأضاف الدكتور النهري أن تشغيل توربينين يعني رفع منسوب المياه فوق 40 مترا وراء السد، وأن أديس أبابا ستزيد عدد التوربينات التي تعمل بالسد مما سيضطرها لحجز كميات أكبر من المياه ومعلوم أن سعة خزان سد النهضة الإثيوبي هي 74 مليار متر مكعب ويحتاج ملئه إلى أكثر من 85 مليار متر مكعب أي ما يزيد على حاجة مصر في عام ونصف وفي نفس هذا الوقت لوحظ انخفاض في منسوب مياه النيل في بعض المناطق المصرية إلى نحو 90 سم عن معدله الطبيعي في مثل هذا الوقت من العام الماضي.
هذه الأنباء أعادت إلى الواجهة من جديد إشكالية سد النهضة خاصة بعد عودة وزير الري المصري من الخرطوم، وتعليقه على فتح بوابات السد وبدء التخزين بقوله "لا توجد معلومات لدى مصر عن بدء التخزين وهذه الخطوة لا تعني بدء التخزين في بحيرة السد، كما أقلقت هذه الأنباء المصريين ووضعت الرئيس عبدالفتاح السيسي محل اتهام وتقصير وبدأ محللون مصريون بإلقاء اللوم عليه لتوقيعه والسودان اتفاق إطار مع إثيوبيا في 23 مارس 2015 وهو الأمر الذي لم يفعله حسني مبارك فقد تمسكت مصر في عهده بصلابة موقفها القانوني المدعوم بالأصول والأعراف القانونية الدولية والوثائق التي تضمن تدفق مياه النيل من دول المنبع إلى مصبه في البحر المتوسط وهي تسع اتفاقيات أبرزها اتفاقية عام 1929 المدعومة بعد ذلك باتفاقية عام 1959 وقد نصت جميعها على أن حصة مصر من نهر النيل هي 55.5 مليار متر مكعب وأنه لا حق لإثيوبيا في بناء أي سدود أو منشآت على النيل الأزرق أو روافده والذي يمد نهر النيل بما يتراوح ما بين 80% إلى 85% من مياهه إلا بعد الحصول على موافقة مصر والسودان ويعتبر كثير من المصريين اليوم توقيع السيسي على اتفاق إطار مع إثيوبيا تنازلا منه عن حقوق مصر المائية واعترافا منه بالأمر الواقع مما اضطره إلى طمأنة الشعب المصري بقوله: المصريين قلقانين وأنا عاوز أقول اطمنوا الأمور ماشية بشكل جيد، وأنا مضيعتكمش قبل كده علشان أضيعكم تاني ومش هنضيعكم"، وتطورات سد النهضة وموقف الحكومة المصرية السلبي الذي يعده المعارضون إطلاقا ليد إثيوبيا وجريا وراء سراب اللجنة الفنية حمل حزب مصر القوية إلى إصدار بيان حمل فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي ونظامه المسؤولية الكاملة عما وصفه بـ "خطيئة التفريط في حقوق مصر التاريخية والقانونية في مياه النيل وذلك بتوقيعه منفردًا وبلا أدنى درجات الشفافية وبغير توافق وطني على اتفاق إعلان المبادئ وما ترتب على ذلك من خلق واقع وإطار قانوني بديل عن الاتفاقيات الدولية المستقرة وشرعنة عمل عدائي يهدد بوضوح مستقبل ووجود الدولة المصرية، وبعد أن عدد البيان مخاطر سد النهضة طالب النظام بمكاشفة الرأي العام وبالتحلي بالشفافية والمسؤولية، كما أهاب بالبرلمان عدم التصديق على اتفاق إعلان المبادئ كفرصة أخيرة للتنصل من الالتزام به كإطار قانوني بديل عن الاتفاقيات السابقة له.. ويقول بعض الخبراء في كل الأحوال لا يمكن الوثوق بنوايا وتعهدات إثيوبيا التي ربما باعت الماء قبل الكهرباء وإذا كان طريق اللجوء إلى مجلس الأمن والتحكيم الدولي بطيئا واستخدام القوة الناعمة ليس متاحا بعد قطيعة طويلة فإن استخدام القوة العسكرية مستحيل في هذه الظروف كما أن مشروع تحويل مياه نهر الكونغو عبر مجرى نهر النيل إلى مصر أمر يحتاج إلى موافقة دول ودراسات مستفيضة، ولا يبقى إذن أمام مصر إلا أن تصر على المشاركة في إدارة السد ومد زمن ملئه لنحو 10 سنوات على الأقل حتى لا تتعرض احتياجاتها المائية إلى النقص الحاد.

دولتي السودان: جولة مباحثات ثالثة لطي الخلافات

اتفق السودان وجنوب السودان، خلال مباحثات مشتركة الأحد، على المضي قدماً في إنفاذ اتفاقيات التعاون المشترك الموقعة بينهما والعمل سوياً من أجل حلحلة مشاكلهما عبر الحوار، وحددا جولة مباحثات ثالثة بالخرطوم قريباً لطي القضايا العالقة.
وأكد وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير خارجية جنوب السودان برنابا بنجامين، عقب المباحثات، حرص بلاده على إحلال السلام بدولة جنوب السودان.
وأعلن أن الطرفين اتفقا خلال جولة المباحثات على العمل المشترك لحل كل القضايا بين البلدين، بحسب توجيهات الرئيسين البشير وسلفاكير.
وأشار إلى جاهزية السودان لعلاقات صادقة مع دولة جنوب السودان، لخلق علاقات أخوية تكون أنموذجاً عالمياً، مبيناً أن جولة المباحثات الحالية تعد الجولة الثانية، حيث كانت الأولى في العام الماضي بالعاصمة الروسية موسكو.
ووصف مباحثات موسكو وقتها بأنها موفقة وأنها أُنجزت في وقت وجيز وفتحت الباب واسعاً للجانبين للتحاور وحل كل المشاكل، لافتاً إلى أن الترتيبات والتحضيرات تجري حالياً لعقد جولة ثالثة من المباحثات المشتركة بالخرطوم قريباً.
وقال غندور إن زيارة وزير خارجية دولة جنوب السودان، برنابا بنجامين، للسودان تؤكد عمق ومتانة العلاقات التي تجمع الدولتين والشعبين. وتابع قائلاً "مستقبل الدولتين مرتبط بمدى التعاون المشترك بينهما".
وأشار إلى أن وزير خارجية دولة جنوب السودان سيلتقي خلال زيارته بعدد من المسؤولين في الحقل التعليمي، في إطار متابعة قضايا مواطني الجنوب بالسودان.
بدوره، وصف بنجامين، جلسة المباحثات بالناجحة وعدّها خطوة للأمام نحو ترسيخ دعائم لعلاقات أخوية وحسن جوار قوي، خاصة فيما يتعلق بالحريات والتجارة وبقية الأصعدة.
وتابع الوزير قائلاً "إن بلاده تدعو لاستمرار الحوار مع السودان والتعاون على أساس اتفاقية التعاون التي وقعها الرئيسان البشير وسلفاكير.
وعبّر عن أمل بلاده في أن يوفق السودان في الوصول إلى تسويات وحلول لقضاياه مع الحركات المسلحة، مؤكداً أن قضايا السلام في الدولتين مرتبطة ببعضها البعض، وأن كل دولة تتأثر بعدم استقرار الأخرى، ما يحتم على الطرفين العمل سوياً لتجاوز التحديات التي تواجههما خاصة الأمنية.
وأعرب عن تقدير حكومة جوبا للسودان لاستقباله اللاجئين الجنوبيين ومعاملتهم كمواطنين، مبيناً أن المباحثات تطرقت لكل القضايا التي تواجه وجود اللاجئين الجنوبيين بالسودان.
وقال برنابا إنه لابد للدولتين والشعبين من العمل سوياً لوقف النزاعات الداخلية والاستفادة من مواردهما في إطار تكاملي، مبيناً أن بلاده تتبع سياسة منفتحة تجاه السودانيين بأراضيها.
وأضاف أن زيارته للخرطوم على رأس وفد من جوبا، جاءت للمشاركة في احتفالات البلاد بالذكرى الـ60 للاستقلال، تأكيداً على الروابط العميقة التي تجمع البلدين.
وذكر أن الزيارة تزامنت مع اجتماعات اللجنة الأمنية المشتركة في الخرطوم، التي يسعى من خلالها الجانبان لإيجاد حلول لكافة القضايا العالقة.
ونقل برنابا للسودان حكومة وشعباً، تهاني الرئيس سلفاكير بمناسبة ذكرى الاستقلال، مشيراً إلى اتفاق السلام الذي وقعته حكومة جوبا مع المعارضة المسلحة مؤخراً.
ونوّه إلى وجود وفد رياك مشار حالياً بجوبا في إطار تنفيذ الاتفاق، مبيناً أنه أطلع القيادة السودانية بهذه التطورات والخطوات، باعتبار السودان من المساهمين في حل مشاكل الجنوب.
وأقر بتأثر إنتاج النفط في بلاده بسبب النزاع، وأن الإنتاج الحالي تدنى إلى 170 ألف برميل في اليوم، متوقعاً ارتفاع الإنتاج خلال الفترة المقبلة خاصة بعد توقيع اتفاق سلام مع رياك مشار، مبيناً أن مصلحة الدولتين في ارتفاع إنتاج النفط.

الأحد، 3 يناير 2016

هل عالج إعلان الخرطوم أزمة سد النهضة؟

ظل الإعلام المصري خاصة والرأي العام المصري مشغولاً خلال الأسبوع الماضي بمآلات المحادثات الدائرة بين دول حوض النيل الثلاث -مصر وإثيوبيا والسودان– حول تداعيات تنفيذ سد النهضة الإثيوبي، والتوقعات من الاجتماع الثلاثي الذي ضم وزراء الخارجية والري في الدول الثلاث، في محاولة أخيرة للوصول إلى حل توافقي وسط أجواء توحي بأن مثل ذلك الحل ما زال أملاً بعيد الاحتمال، وأن استمرار العمل في المشروع بالطريقة الحالية يثير قلق مصر على أمنها المائي تجاه مشروع السد، إذ تبنّى فريق منه فكرة تصعيد الصراع إلى التحكيم وعرض النزاع على محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، ويقود هذا الموقف وزير ري مصري سابق ويشاركه الرأي عدد من الكتاب والمعلقين، بينما يرى آخرون الاستمرار في الحوار مع ممارسة شتى أنحاء الضغوط الدبلوماسية والاستعانة بالدول الإفريقية المؤثرة، في حين ترى الحكومة أن تواصل مفاوضاتها مع طرح مشروع أكبر للتعاون بين مصر وإثيوبيا على أمل أن يقنع ذلك دولة المنبع إثيوبيا على قبول تقليل حجم السد بالتوقف في البناء عند مرحلة أولى لا تلحق ضرراً ملحوظاً بالأمن المائي المصري – على أن الجميع مع مختلف توجهاتهم يتفقون على أن مصر ليست في موقف يسمح لها بتقليل كمية المياه التي تحصل عليها حاليا باعتبار أن الكمية الحالية (خمسة وخمسين مليار متر مكعب سنوياً) ما عادت تكفي حجم سكانها المتزايد بنسب عالية، ومن ثم فإنها ستواجه خطراً حقيقياً لو قدر لسد بهذا الحجم أن يقوم على النيل الأزرق.
وكان الأمل معقوداً على أن تكتمل الدراسات الفنية رفيعة المستوى التي اتفقت عليها الدول الثلاث في وقت مناسب، وكان منتظراً أن تكون الآن في أيدي خبراء الدول الثلاث، لكن حدث تباطؤ –مصر على قناعة بأنه تباطؤ مقصود– في إنجاز هذه الدراسة المهمة التي كانت ستحدد بالضبط النتائج المحتملة لقيام هذا السد ومقدار الضرر الذي سيلحقه بالدول الأخرى، ومع أن الدراسة قد تأجلت بسبب هذا التباطؤ فإن بناء السد تواصل بوتيرة السرعة السابقة دون أن تكون الدراسة قد أنجزت، لذلك كانت مصر تريد لاجتماع الخرطوم الأخير أن يحقق أمراً أساسياً وهو إقناع إثيوبيا بوقف البناء في السد إلى أن تكتمل الدراسة أو أن توافق على أن تكمل المرحلة الأولى ثم تتوقف إلى أن تنتهي الدراسة الفنية، ومن ثم يتم تقييم الآثار التي تكشف عنها الدراسة، ولكن إثيوبيا في اجتماع الخرطوم رفضت تماماً هذا المقترح وربما كان هذا هو السبب في تمديد فترة المفاوضات من يومين إلى ثلاثة أيام حتى تستطيع الأطراف الثلاثة أن تعلن عن اتفاق على بعض القضايا الثانوية التي حسمتها هذه المفاوضات، وأن تصدر تحت العنوان الكبير (إعلان الخرطوم) ما توصلت إليه من تفاهمات على أن تستأنف المحادثات بعد شهر من الآن لبحث القضايا العالقة، وهذا يعني أن الخلاف الأساسي ما زال قائماً وأن مصر لم تفقد الأمل وأنها ما زالت تؤمل في تدخلات رئاسية وفي اتصالات جانبية من رؤساء الدول الثلاث لتفعيل اتفاق المبادئ الذي صدر في اجتماع قمة الخرطوم الثالث، والذي مهره توقيع رؤساء الدول الثلاث ورغم أن ذلك الإعلان قد صيغ لكي يضع قواعد للتعامل والتعاون بين دول حوض النيل الثلاث، إلا أن بعض فقراته اتسمت بالغموض مما منح كل طرف الفرصة لكي يفسره بالطريقة التي تناسبه.
لقد كانت مصر تريد لاجتماع الخرطوم أن يحقق لها ثلاثة أهداف هي:
أولاً تريد حسم قضية الاتفاق على بيتي الخبرة اللذين يتوليان الدراسة الشاملة لمشروع السد، وقد تم الاتفاق على ذلك، وهو ما تعتبره مصر إنجازاً، وكان مطلبها الثاني تقليص الزمن الذي يستغرقه إعداد الدراسة بواسطة بيتي الخبرة إلى تسعة أشهر، وثم ثانيا - ألا تتجاوز الدراسة تسعة أشهر ولم يتحقق ذلك، ولكن تم الاتفاق على حل وسط في الخرطوم بأن تستغرق الدراسة ما بين خمسة أشهر واثني عشر شهرا، وهذا يعني أن بيوت الخبرة هي التي ستحدد الزمن المناسب لها على ألا يتجاوز العام الواحد، والهدف الثالث وهو الأكبر فيما يخص الموقف المصري، فقد كان إقناع إثيوبيا بأن تجمد العمل في بناء السد عند مرحلة معينة في انتظار نتائج الدراسة أو على الأقل أن تنجز مرحلة من البناء تسمح لها بتخزين تجريبي للمياه في حدود ثلاثة مليارات من الأمتار المكعبة حتى تقف الدول الثلاث على الأثر المحدود لمثل هذه الكمية الصغيرة، وحساب مدى أثرها على مصر عندما يطبق الحجم الكبير، وهذا هو ما رفضه الجانب الإثيوبي لكنه قبل الالتزام بتنفيذ قرارات بيتي الخبرة في هذا الصدد، بينما كانت مصر تعتبر أن موافقة إثيوبيا على الاقتراح المصري ستدعم روح إعلان المبادئ المتفق عليه.
مهما يكن من أمر فإن اجتماع الخرطوم قد سادته رغبة في التوصل إلى حلول وسطى وشارك فيه الرؤساء الثلاث من وراء ستار، وقد حقق أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة، ولذلك آثر كل طرف من أطراف الصراع أن يعتبر ما أنجز تقدماً حقيقياً وأن يعرب عن أمله في أن الاجتماع الذي سينعقد بعد شهر سوف يحسم القضايا العالقة.

القاهرة تبدأ تحضيرات لقمة البشير والسيسي

بدأت الحكومة المصرية، السبت، تحضيرات واسعة لعقد القمة المرتقبة بين الرئيسين السوداني عمر البشير والمصري عبد الفتاح السياسي، التي لم يحدد تاريخ بعينه لالتئامها. ومن المقرر أن تسبقها أعمال اللجنة العليا المشتركة بين البلدين.
وذكرت وسائل إعلام مصرية أن وزارة الخارجية المصرية استضافت اجتماعاً، ضم عدداً من الجهات المعنية بالدولة، حول العلاقات مع دولة السودان، في ضوء التطورات التي شهدتها هذه العلاقات على مدى الشهرين الماضيين.
ونقلت عن مصادر مطلعة أن وزارة الخارجية تعكف على إحاطة الجهات المعنية بالدولة بكل ما يتعلق بالعلاقات مع دول الجوار، ولا سيما بخصوص الشؤون ذات الصلة بالأمن القومي.
وأضافت المصادر أن مسألة حلايب لم تكن المحور الرئيس للاجتماع بل جزء منه، حيث تمت مناقشة التحضيرات الجارية لعقد اللجنة المشتركة بين البلدين والقمة المرتقبة بين الرئيس  السيسي والرئيس السوداني البشير.
وعقد الرئيسان البشير والسيسي أربعة اجتماعات خلال العام 2015 بحثت في مجملها قضايا العلاقات الثنائية وقضايا الحدود والتكامل الاقتصادي والمياه، بجانب القضايا الإقليمية الملحة ومنها الملف الليبي، بجانب القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك.

برنابا: جوبا تمتدح مساندة البشير لعملية السلام

قال وزير الخارجية بدولة جنوب السودان، إن حكومة بلاده تثمن إعلان الرئيس عمر البشير في خطابه، بمناسبة الذكرى الـ 60 لاستقلال السودان، مساندة عملية السلام في دولة الجنوب، ومواصلة للمجهودات المشتركة بين الدولتين لتعزيز التعاون وحل الملفات العالقة.
وأوضح وزير خارجية جنوب السودان برنابا بنجامين، أن الاجتماع الذي سيعقده، الأحد، مع نظيره السوداني إبراهيم غندور، سيركز على اتفاقية التعاون المشترك والقضايا العالقة وسبل تنشيط عملية السلام وإرساء مبادئ حسن الجوار والتعايش السلمي وفتح الحدود.
وأضاف بنجامين أن زيارته الحالية للخرطوم جاءت تلبية لدعوة من نظيره السوداني إبراهيم غندور لمواصلة الحوار بشأن تعزيز وتقوية العلاقات الثنائية بين البلدين.
إلى ذلك، أكد بنجامين، حرص حكومة بلاده على تنفيذ اتفاق السلام الذي وقعته مع المعارضة المسلحة بقيادة (رياك مشار)، نائب الرئيس السابق والعمل على إزالة العقبات التي تعترض تنفيذه.
وقال بنجامين إن إعلان انتهاء الحرب في دولة جنوب السودان من قبل طرفي النزاع ووساطة (الإيقاد) هو أهم خطوة شهدتها مسيرة السلام في البلاد.
وأضاف أن رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت يعمل حالياً لإنجاح تنفيذ اتفاقية السلام، وأن وفد المعارضة المسلحة وصل إلى جوبا برئاسة (تعبان دينق) ويعمل مع الحكومة للوصول إلى رؤية مشتركة للترتيبات الخاصة بالاتفاقية، ومن المتوقع أن يصل (رياك مشار) خلال الشهر الحالي إلى جوبا لبدء الخطوات العملية بشأن تنفيذ اتفاقية (الإيقاد).
من جهة أخرى، رحَّب غندور، في تصريحات، السبت، بالجهود التي تتخذها حكومة دولة جنوب السودان لتعزيز وتقوية العلاقات بين البلدين، مؤكداً أن السودان حريص على إقامة علاقات استراتيجية تخدم البلدين والمحيط الإقليمي، وتساهم في استقرار القارة الأفريقية.
ولفت غندور إلى أن الخرطوم تعد شريكاً أساسياً في عملية السلام في دولة جنوب السودان من خلال عضويتها في وساطة (الإيقاد) إلى جانب إثيوبيا وكينيا، إضافة لعضويتها في اللجنة الأفريقية لمراقبة تنفيذ اتفاق السلام.
وأكد أن رؤية بلاده لترقية العلاقات مع (جوبا) تقوم على تنفيذ الاتفاقيات المشتركة وإزالة العقبات التي تعوق تقدم العلاقات، والتي تشمل الاتفاق على (الخط الصفري) لترسيم الحدود وتنفيذ الاتفاقيات التي وقعها الرئيسان البشير وسلفا كير في أديس أبابا عام 2012.