الأحد، 3 يناير 2016

هل عالج إعلان الخرطوم أزمة سد النهضة؟

ظل الإعلام المصري خاصة والرأي العام المصري مشغولاً خلال الأسبوع الماضي بمآلات المحادثات الدائرة بين دول حوض النيل الثلاث -مصر وإثيوبيا والسودان– حول تداعيات تنفيذ سد النهضة الإثيوبي، والتوقعات من الاجتماع الثلاثي الذي ضم وزراء الخارجية والري في الدول الثلاث، في محاولة أخيرة للوصول إلى حل توافقي وسط أجواء توحي بأن مثل ذلك الحل ما زال أملاً بعيد الاحتمال، وأن استمرار العمل في المشروع بالطريقة الحالية يثير قلق مصر على أمنها المائي تجاه مشروع السد، إذ تبنّى فريق منه فكرة تصعيد الصراع إلى التحكيم وعرض النزاع على محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، ويقود هذا الموقف وزير ري مصري سابق ويشاركه الرأي عدد من الكتاب والمعلقين، بينما يرى آخرون الاستمرار في الحوار مع ممارسة شتى أنحاء الضغوط الدبلوماسية والاستعانة بالدول الإفريقية المؤثرة، في حين ترى الحكومة أن تواصل مفاوضاتها مع طرح مشروع أكبر للتعاون بين مصر وإثيوبيا على أمل أن يقنع ذلك دولة المنبع إثيوبيا على قبول تقليل حجم السد بالتوقف في البناء عند مرحلة أولى لا تلحق ضرراً ملحوظاً بالأمن المائي المصري – على أن الجميع مع مختلف توجهاتهم يتفقون على أن مصر ليست في موقف يسمح لها بتقليل كمية المياه التي تحصل عليها حاليا باعتبار أن الكمية الحالية (خمسة وخمسين مليار متر مكعب سنوياً) ما عادت تكفي حجم سكانها المتزايد بنسب عالية، ومن ثم فإنها ستواجه خطراً حقيقياً لو قدر لسد بهذا الحجم أن يقوم على النيل الأزرق.
وكان الأمل معقوداً على أن تكتمل الدراسات الفنية رفيعة المستوى التي اتفقت عليها الدول الثلاث في وقت مناسب، وكان منتظراً أن تكون الآن في أيدي خبراء الدول الثلاث، لكن حدث تباطؤ –مصر على قناعة بأنه تباطؤ مقصود– في إنجاز هذه الدراسة المهمة التي كانت ستحدد بالضبط النتائج المحتملة لقيام هذا السد ومقدار الضرر الذي سيلحقه بالدول الأخرى، ومع أن الدراسة قد تأجلت بسبب هذا التباطؤ فإن بناء السد تواصل بوتيرة السرعة السابقة دون أن تكون الدراسة قد أنجزت، لذلك كانت مصر تريد لاجتماع الخرطوم الأخير أن يحقق أمراً أساسياً وهو إقناع إثيوبيا بوقف البناء في السد إلى أن تكتمل الدراسة أو أن توافق على أن تكمل المرحلة الأولى ثم تتوقف إلى أن تنتهي الدراسة الفنية، ومن ثم يتم تقييم الآثار التي تكشف عنها الدراسة، ولكن إثيوبيا في اجتماع الخرطوم رفضت تماماً هذا المقترح وربما كان هذا هو السبب في تمديد فترة المفاوضات من يومين إلى ثلاثة أيام حتى تستطيع الأطراف الثلاثة أن تعلن عن اتفاق على بعض القضايا الثانوية التي حسمتها هذه المفاوضات، وأن تصدر تحت العنوان الكبير (إعلان الخرطوم) ما توصلت إليه من تفاهمات على أن تستأنف المحادثات بعد شهر من الآن لبحث القضايا العالقة، وهذا يعني أن الخلاف الأساسي ما زال قائماً وأن مصر لم تفقد الأمل وأنها ما زالت تؤمل في تدخلات رئاسية وفي اتصالات جانبية من رؤساء الدول الثلاث لتفعيل اتفاق المبادئ الذي صدر في اجتماع قمة الخرطوم الثالث، والذي مهره توقيع رؤساء الدول الثلاث ورغم أن ذلك الإعلان قد صيغ لكي يضع قواعد للتعامل والتعاون بين دول حوض النيل الثلاث، إلا أن بعض فقراته اتسمت بالغموض مما منح كل طرف الفرصة لكي يفسره بالطريقة التي تناسبه.
لقد كانت مصر تريد لاجتماع الخرطوم أن يحقق لها ثلاثة أهداف هي:
أولاً تريد حسم قضية الاتفاق على بيتي الخبرة اللذين يتوليان الدراسة الشاملة لمشروع السد، وقد تم الاتفاق على ذلك، وهو ما تعتبره مصر إنجازاً، وكان مطلبها الثاني تقليص الزمن الذي يستغرقه إعداد الدراسة بواسطة بيتي الخبرة إلى تسعة أشهر، وثم ثانيا - ألا تتجاوز الدراسة تسعة أشهر ولم يتحقق ذلك، ولكن تم الاتفاق على حل وسط في الخرطوم بأن تستغرق الدراسة ما بين خمسة أشهر واثني عشر شهرا، وهذا يعني أن بيوت الخبرة هي التي ستحدد الزمن المناسب لها على ألا يتجاوز العام الواحد، والهدف الثالث وهو الأكبر فيما يخص الموقف المصري، فقد كان إقناع إثيوبيا بأن تجمد العمل في بناء السد عند مرحلة معينة في انتظار نتائج الدراسة أو على الأقل أن تنجز مرحلة من البناء تسمح لها بتخزين تجريبي للمياه في حدود ثلاثة مليارات من الأمتار المكعبة حتى تقف الدول الثلاث على الأثر المحدود لمثل هذه الكمية الصغيرة، وحساب مدى أثرها على مصر عندما يطبق الحجم الكبير، وهذا هو ما رفضه الجانب الإثيوبي لكنه قبل الالتزام بتنفيذ قرارات بيتي الخبرة في هذا الصدد، بينما كانت مصر تعتبر أن موافقة إثيوبيا على الاقتراح المصري ستدعم روح إعلان المبادئ المتفق عليه.
مهما يكن من أمر فإن اجتماع الخرطوم قد سادته رغبة في التوصل إلى حلول وسطى وشارك فيه الرؤساء الثلاث من وراء ستار، وقد حقق أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة، ولذلك آثر كل طرف من أطراف الصراع أن يعتبر ما أنجز تقدماً حقيقياً وأن يعرب عن أمله في أن الاجتماع الذي سينعقد بعد شهر سوف يحسم القضايا العالقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق