وعلى أية حال فإن العلاقات الرسمية بين البلدين ليست في أحسن حالاتها حيث
وضح بجلاء مرورها في الآونة الأخيرة بحالة من البرود بعد فترة دفء قصيرة،
حيث لاحظ مراقبون أن الرئيسين البشير والسيسي شاركا في قمتي الهند
وإفريقيا، والعربية اللاتينية دون أن يلتقيا كما جرت العادة لا في نيودلهي
ولا في الرياض. وهو أمر لا يتعلق بمجريات العلاقات الثنائية بين البلدين
وإن كان ذو صلة وثيقة بالتحولات التي شهدتها التحالفات الإقليمية، ومن ذلك
نجاح الخرطوم في ترميم علاقاتها الخليجية مع كل من السعودية والإمارات
وكلاهما يشكل محوراً مهما في العلاقات المصرية الحيوية الخارجية من خلال
لعبهما دوراً مهماً في صعود السيسي إلى الرئاسة على حساب الرئيس محمد مرسي
وجماعة الإخوان، وما كان الأمر ليشكل قلقاً للقاهرة لولا أن تقارب الخرطوم
مع الرياض وانخراطها في عاصفة الحزم جاء في وقت لم تعد تحتفظ فيها بالحظوة
ذاتها التي كانت تجدها في السعودية إبان عهد المغفور له الملك عبد الله،
ومما ضاعف الانزعاج المصري دخول السعودية على خط مياه النيل الساخن بكل
تعقيداته من خلال توقيعها على اتفاقيات لتمويل إنشاء ثلاثة سدود على مجرى
نهر النيل دفعة واحدة في شمال السودان، وهي مسألة بغض النظر إن كانت تؤثر
أم لا في حصتها المكتسبة من مياه النيل، فإن ذلك يعني دخول لاعب جديد من
خارج الإقليم في هذا الملف من شأنه إضافة المزيد من التعقيدات عليه.
والأمر الآخر الذي يثير المتاعب في علاقات القاهرة والخرطوم يأتي من تلقاء التطورات غير السعيدة في ملف سد النهضة بالنسبة لمصر، فقد فشل الاتفاق الثلاثي الذي وقعه زعماء البلدان الثلاثة في الخرطوم في وقت سابق من هذا العام في محاولة لتدارك التحفظات المصرية على تشييد سد النهضة دون الحصول على موافقتها المسبقة، ورافق انهيار التدابير التي جرى تضمينها في الاتفاق الثلاثي بشأن الدراسات الفنية حول معالجة أثار قيام سد النهضة، تعثر انعقاد اجتماعات وزراء الري في الدول الثلاث، في وقت بدأ يعود فيه التوتر من جديد على العلاقات بين أديس أبابا والقاهرة، ترتب عليها تجدد الاتهامات المصرية للسودان بالوقوف إلى جانب إثيوبيا ودعم تشييد سد النهضة على حسابها، وفي وقت تراجعت فيه فرص التعاون بين الدول الثلاث لتلافي أزمة السد، تواصل إثيوبيا العمل في مشروعها مما يشكل ضغطاً إضافياً على الحكومة المصرية التي تتعرض لضغوط داخلية تتهمها بالفشل في إدارة أزمة السد وتعريض مصالح مصر الاستراتيجية للخطر.
هذه التطورات تجعل البعض أيضاً يذهب في اتجاه يعتبر أن ما تعرض له السودانيون في مصر ليست حوادث عارضة أو فردية، بل اعتداءات ذات طابع ممنهج الغرض منها تكثيف الضغوط على الحكومة السودانية التي يتهمها أيضاً آخرون بافتعال هذه الأزمة للخروج من أزماتها الداخلية، ودون الحاجة للدخول في لجّة هذه الاتهامات المتبادلة فإن الثابت هو أن العلاقات الرسمية بين السودان ومصر تمر بمرحلة عالية التوتر، وأن الأسباب المعلنة لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري وراء الكواليس، ووقوع المواطنين ضحية لهذا النوع من التردي في العلاقت الرسمية ليس جديداً، كما أن استدعاء كل أسباب الخلافات، حتى التاريخية منها، ليس مستغرباً في هذه الحالة.
أذكر في حديث مع السفير المصري الأسبق بالخرطوم محمد عاصم إبراهيم الذي جاء تعيينه بعد حقبة القطيعة المريرة بين البلدين في التسعينيات، اعتباره أن استعادة العلاقة الطبيعية بين البلدين أمر مهم لأن جيلاً كاملاً في السودان يشب عن الطوق ويكاد يستقر في وعيه أن مصر عدو للسودان بسبب أجواء العداء السياسي الصارخ السائد وقتها والذي انعكس في إجراءات أضرت بالشعب في وقت كانت تقصد التضييق على الحكومة.
ومن المهم أن تدرك مصر أن رصيد تأثيرها في السودان يتضاءل, فلم يعد هناك عشرات الآلاف من الطلاب السودانيين الذين كانوا يتلقون العلم في مصر, أو الذين كانت تمثل لهم القبلة الأولى للتعرف على الخارج, ولم تعد في عصر الفضاءات المفتوحة تحتكر التأثير الإعلامي والثقافي المسهم في تشكيل الوعي العام في السودان وغيره, ويكاد ذلك الجيل المخضرم من السودانيين الذي أدرك فضل مصر ويعرف قيمتها الاستراتيجية بالنسبة للسودان يغادر الحياة لتخلفه أجيال جديدة لا تدرك ولم تجرب من ذلك شيئاً. وليت الإخوة في مصر يلتفتون إلى نصيحتنا هذه من باب الحرص الأكيد للحفاظ على ما تبقى من علاقات تحتاج إلى عقلاء لتنميتها لا أن نتركها لقصيري النظر ليقضوا عليها.
والأمر الآخر الذي يثير المتاعب في علاقات القاهرة والخرطوم يأتي من تلقاء التطورات غير السعيدة في ملف سد النهضة بالنسبة لمصر، فقد فشل الاتفاق الثلاثي الذي وقعه زعماء البلدان الثلاثة في الخرطوم في وقت سابق من هذا العام في محاولة لتدارك التحفظات المصرية على تشييد سد النهضة دون الحصول على موافقتها المسبقة، ورافق انهيار التدابير التي جرى تضمينها في الاتفاق الثلاثي بشأن الدراسات الفنية حول معالجة أثار قيام سد النهضة، تعثر انعقاد اجتماعات وزراء الري في الدول الثلاث، في وقت بدأ يعود فيه التوتر من جديد على العلاقات بين أديس أبابا والقاهرة، ترتب عليها تجدد الاتهامات المصرية للسودان بالوقوف إلى جانب إثيوبيا ودعم تشييد سد النهضة على حسابها، وفي وقت تراجعت فيه فرص التعاون بين الدول الثلاث لتلافي أزمة السد، تواصل إثيوبيا العمل في مشروعها مما يشكل ضغطاً إضافياً على الحكومة المصرية التي تتعرض لضغوط داخلية تتهمها بالفشل في إدارة أزمة السد وتعريض مصالح مصر الاستراتيجية للخطر.
هذه التطورات تجعل البعض أيضاً يذهب في اتجاه يعتبر أن ما تعرض له السودانيون في مصر ليست حوادث عارضة أو فردية، بل اعتداءات ذات طابع ممنهج الغرض منها تكثيف الضغوط على الحكومة السودانية التي يتهمها أيضاً آخرون بافتعال هذه الأزمة للخروج من أزماتها الداخلية، ودون الحاجة للدخول في لجّة هذه الاتهامات المتبادلة فإن الثابت هو أن العلاقات الرسمية بين السودان ومصر تمر بمرحلة عالية التوتر، وأن الأسباب المعلنة لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري وراء الكواليس، ووقوع المواطنين ضحية لهذا النوع من التردي في العلاقت الرسمية ليس جديداً، كما أن استدعاء كل أسباب الخلافات، حتى التاريخية منها، ليس مستغرباً في هذه الحالة.
أذكر في حديث مع السفير المصري الأسبق بالخرطوم محمد عاصم إبراهيم الذي جاء تعيينه بعد حقبة القطيعة المريرة بين البلدين في التسعينيات، اعتباره أن استعادة العلاقة الطبيعية بين البلدين أمر مهم لأن جيلاً كاملاً في السودان يشب عن الطوق ويكاد يستقر في وعيه أن مصر عدو للسودان بسبب أجواء العداء السياسي الصارخ السائد وقتها والذي انعكس في إجراءات أضرت بالشعب في وقت كانت تقصد التضييق على الحكومة.
ومن المهم أن تدرك مصر أن رصيد تأثيرها في السودان يتضاءل, فلم يعد هناك عشرات الآلاف من الطلاب السودانيين الذين كانوا يتلقون العلم في مصر, أو الذين كانت تمثل لهم القبلة الأولى للتعرف على الخارج, ولم تعد في عصر الفضاءات المفتوحة تحتكر التأثير الإعلامي والثقافي المسهم في تشكيل الوعي العام في السودان وغيره, ويكاد ذلك الجيل المخضرم من السودانيين الذي أدرك فضل مصر ويعرف قيمتها الاستراتيجية بالنسبة للسودان يغادر الحياة لتخلفه أجيال جديدة لا تدرك ولم تجرب من ذلك شيئاً. وليت الإخوة في مصر يلتفتون إلى نصيحتنا هذه من باب الحرص الأكيد للحفاظ على ما تبقى من علاقات تحتاج إلى عقلاء لتنميتها لا أن نتركها لقصيري النظر ليقضوا عليها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق