السبت، 27 ديسمبر 2014

العلاقات السودانية الجنوبية.. أين يكمن الخلل؟

من المؤكد أن الطريقة التي تدير عبرها الحكومة الجنوبية علاقاتها مع جارها السودان طوال الفترة التي أعقبت الانفصال في يوليو 2011 -قرابة الأربعة أعوام- طريقة مثيرة للاستغراب، ففي خلال هذه الفترة المهمة لنشأة وتطور الدولة الجنوبية الوليدة لم تنفذ ولم تستجب الدولة الجنوبية لأي اتفاق استراتيجي مع السودان، إذ انه وحتى البنود المهمة والخطيرة المتعلقة بترسيم الحدود وإنشاء المنطقة العازلة وتنظيم تجارة الحدود وإحكام الرقابة على طول الشريط الحدودي لصالح الدولتين والواردة فى إتفاقية التعاون المشترك المبرمة فى 28 سبتمبر 2012؛ حتى هذه الاتفاقية الإستراتيجية التي لا غنى لجوبا عنها وهي بعد دولة ناشئة، لم تعرها أدنى اهتمام .
لقد كان ولا يزال اهتمام جوبا منصباً على البنود المتعلقة بانسياب النفط فى أنبوب التصدير السوداني وجنيّ عائدات النفط. مع أن الدولة الجنوبية التي تواجه حرباً داخلية طاحنة فى أمس الحاجة لإقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح ضمن حدود معروفة ومرسومة تتيح لها التأكد وعلى نحو قاطع من أن المتمردين الذي ينشطون ضدها لا يتلقون دعماً من طرف خارجي أو مجاور عبر هذه الحدود، ومع أن ترسيخ اتفاقية التعاون بينها وبين السودان فى كافة المجالات يضعف وعلى نحو مباشر وملحوظ الاختلال الأمني المقيت الذي تعاني منه دولة جنوب السودان والذي وصل فيه ضيق وقلق المجتمع الدولي منه إلى درجة التفكير فى وضع دولة الجنوب ضمن الوصاية الدولية!
بل لا نغالي إن قلنا إن عدم إيلاء السلطة الجنوبية الحاكمة أدنى اهتمام استراتجيي لعلاقاتها مع السودان كان هو المتسبب الرئيسي ليس فقط فى اندلاع النزاع الداخلي الدامي فحسب ولكن في تفاقم النزاع واستعصائه على الحل ذلك أن العنصر الأساسي فى اندلاع الصراع الداخلي يرجع بالدرجة الأولى إلى غياب النظرة الإستراتيجية فى إدارة الدولة الوليدة مع تفاقم غياب الثقة بين القادة الجنوبيين وهذا فى مجمله راجع إلى ما يمكن وصفه بسوء النية فى إدارة ملف العلاقات مع الخرطوم عبر تأجيج الصراع فى المناطق الجنوبية للسودان (جنوب كردفان والنيل الأزرق).
لو كان القادة المتصارعين فى جوبا يدركون أهمية العلاقة الإستراتيجية مع الخرطوم وضرورتها لما وقعوا فى الصراع ولإستعانوا بالدولة الأم فى تحديد الأولويات ولعل اكبر دليل مادي على إخفاق هؤلاء القادة فى إدراك هذه الحقيقة أنهم -كلٌ منهم بأسبابه- عول على القيادة السودانية فى حل النزاع، قبل أن يداخل كل منهما الشك حيال وساطة الخرطوم واحتمال ميلها لأحدهما، ويركنا في النهاية إلى الإيقاد التي عجزت تماماً عن الحل.
السلطة الجنوبية الحاكمة كذلك ولدت بطموحات هي أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع مما أربك حساباتها حيال علاقاتها مع السودان، إذ ليس سراً أن شعور هؤلاء القادة أن القوى العظمى وفى مقدمتها واشنطن تقف داعمة لهم بصورة مطلقة، نزع من أذهانهم ضرورات الاهتمام بعلاقة حسن الجوار مع السودان. إذ من المدهش حقاً أن قادة الجنوب على إطلاقهم حتى الآن غير مدركين لأهمية علاقات حسن الجوار التي تقوم عليها ألف باء العلاقات الدولية.
لا يكن لأي دولة حتى ولو كانت دولة عظمى ذائعة الصيت بالغة القوة أن تستغني عن (علاقة حسن الجوار) مع جيرانها، والسبب فى ذلك بسيط للغاية أن الجار هو الطرف الوحيد القادر على إلحاق أفدح الأذى بك سواء لقربه الشديد أو لإدراكه التام -بحكم الجوار- لطبيعة نقاط الضعف التي تعاني منها. وعلى سبيل المثال فإن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة بكل ما تملك من قوة وبطش ومكر ودهاء، هي الآن تبدي حرصاً على علاقاتها بكوبا، الجزيرة الصغيرة التي استعصت عليها منذ أكثر من 60 عاماً!
لا شك أن إرهاصات التطبيع بين الدولتين -رغم الفارق المهول بينهما -تمليه علاقة حسن الجوار- . دولة جنوب السودان ايضاً تنشط بطريقة سافرة ومقززة فى استضافة حملة السلاح فى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وهو أمر لا يحتاج حتى لأدنى دليل مهما صغر، ومع ذلك تدع كل هذا وتتهم -كذباً- الحكومة السودانية بدعم متمردين جنوبيين!
المفارقة هنا واضحة بحيث يصعب معها التفاهم والحوار؛ ذلك أن الإنكار المثير للسخرية غير متعارف عليه بهذا المستوى فى العلاقات الدولية، وفى العادة حين تبنى دولة كل استراتيجيها على الكذب الصراح والكذب المثير للضحك والسخرية فإن من الصعب إن لم يكن من المستحيل التعامل معها. فحين يقول المتحدث باسم الجيش الجنوبي -فيليب اغوير- إن تهديد السلطات السودانية بملاحقة المتمردين السودانيين الموجودين على أراضي دولة الجنوب بمثابة إعلان حرب، فإنك لا تستطيع أن تخفي مزيج الدهشة والضحك والدموع التي تجتمع على صعيد واحد على ملامحك؛ مع أن الجيش الجنوبي الذي ينطق أقوير باسمه غير قادر عملاً على حسم التمرد الجنوبي لولا مساعدة النظام اليوغندي!
إن الخلل فى العلاقات السودانية الجنوبية هو في الواقع أعمق من أن يلقى معالجة على المدى القريب!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق