الأربعاء، 13 يوليو 2016

الخصمان المتنافسان على تركة قرنق

بعد أشهر قليلة بين الجانبين عادت الاشتباكات بين أنصار رئيس جمهورية جنوب السودان سالفا كير ميارديت ونائبه رياك مشار على تركة جون قرنق.
وكان الرجلان من قادة الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان وقاتلا في سبيل ما قالا إنه حرية أبناء الجنوب وحقهم في تقرير مصيرهم لكن بعد أقل من عامين من الانفصال بدأ الصراع المسلح بينهما. فمن هما الخصمان؟
رئيس الجمهورية سلفا كير ميارديت من الوجوه القديمة في حركة تحرير جنوب السودان وهو من قبيلة دينكا، نفس قبيلة الرئيس السابق جون قرنق، وهي من أكبر القبائل في جنوب السودان، لذا يتمتع كير بشعبية كبيرة.
وصل سلفا كير إلى منصب رئيس جمهورية جنوب السودان عام 2011 بعد موافقة أبناء البلاد على الانفصال عن السودان في الاستفتاء الذي تم بناء على اتفاق مع الخرطوم ليصبح أول رئيس للبلاد.
وكان كير قد تولى قيادة الحركة المسلحة "لتحرير شعب جنوب السودان" منذ عام 2005 بعد مقتل زعيمها السابق جون قرنق في حادث تحطم مروحيته. ورغم المخاوف التي ساورت الكثيرين من تولي كير قيادة الحركة بعد قرنق إلا أنه تمكن من استكمال طريق سلفه.
وكان كير يوصف دوماً بأنه أكثر تشدّداً من قرنق نفسه والذي توصل قبل أشهر من مقتله لاتفاق مع حكومة الخرطوم بأجراء استفتاء شعبي على انفصال جنوب السودان.
ويحرص كير على رسم صورة قوية لنفسه بظهوره المستمر بقبعة "الكابوي" دون ارتداء الزي التقليدي لأبناء قبائل المنطقة.
وقبل أكثر من عام فاز كير بأكثر من 92 في المائة من أصوات الناخبين في جنوب السودان ليصبح رئيساً لحكومة الإقليم وسط اتهامات من معارضيه بالتلاعب في الإنتخابات. وينظر بعض قادة الرأي العام والكتاب في جنوب السودان إلي كير ويشبهونه بيوشع بن نون الذي تولى قيادة بني إسرائيل بعد النبي موسى ليقودهم إلى أرض كنعان.
وشارك كير من المراحل الأولي من اتفاق السلام الذي أنهي 21 من الحرب الأهلية في البلاد لكنه بقي في ظل قرن زعيم الحركة رغم كونه عضوً مهما فيها منذ انضمامه لها في أواخر الستينيات من القرن الماضي.
انضم كير الذي كان ضابطاً في صفوف الحركة إلي الجيش السوداني في إطار اتفاق السلام الذي توصل إليه الرئيس السوداني السابق جعفر نميري مع المتمردين عام 1972.
وفي عام 1983، تجدّدت الثورة في الجنوب وأرسل الجيش السوداني جون قرنق لوضع حد لتمرد الجنود هناك، لكنه انضم إليهم وأصبح قائداً لهم . وكادت محاولة قرنق لإزاحة كير من قيادة الجناح العسكري للحركة أن تؤدي إلي انقسامها لولا أن قرنق تخلى عن الفكرة للحفاظ على وحدة حركة تحرير جنوب السودان.
مشار
أما نائب الرئيس وزعيم حركة المعارضة في جنوب السودان رياك مشار الذي عاد للعاصمة جوبا بعدما هجرها عامين بسبب النزاع والحرب مع كير، فقد كان دوماً شخصية محورية في المشهد السياسي في دولتي السودان ثم جنوب السودان، طيلة ثلاثة عقود.
اشتهر مشار بقدرته على المناورة السياسية والتنقل بين أطراف الصراع في لحظات مختلفة خلال الحرب بين الجنوب والشمال والتي تواصلت لأكثر من عقدين قبل انفصال الجنوب.
وكان مشار يسعى بذلك إلي تعزيز موقفه السياسي وموقف قبيلته النوير، في المشهد السياسي والصراع على السلطة في جنوب السودان.
ولد مشار عام 1953 ودرس في بريطانيا، وتزوج من موظفة الإغاثة البريطانية إيما ماكيون عام 1991. كان مشار من مؤسسي الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت تقود القتال ضد قوات حكومة الخرطوم من أجل انفصال الجنوب، وكان قائداً بارزاً في جناحها المسلح.
وبعد إتفاق السلام عام 2005 عينت الحركة مشار في منصب نائب رئيس حكومة جنوب السودان أي نائباً لكير. واحتفظ مشار بمنصبه عقب إعلان دولة جنوب السودان عام 2011، الأمر الذي بدأ دليلاً واضحا على نفوذه الكبير المتزايد في أوساط الحركة ليقوم كير بإقالته في تغير وزاري في يوليو من عام 2013 لتندلع الحرب بين الجانبين.
وتمثل قبائل النوير ثاني أكبر جماعة عرقية في جنوب السودان، وكان وجود مشار في مناصب عليا بالسلطة يمثل شيئاً مهماً، لتعزيز الوحدة في جنوب السودان وتقاسم السلطة مع قبائل الدينكا التي تمثل الأغلبية.
وكان مشار أعلن عزمه تحدي سلفا كير والترشح لقيادة الحزب الحاكم في جنوب السودان، ما يؤهله لخوض الانتخابات الرئاسية في عام 2015.بيد أن كير إتهم مشار بالتخطيط لإنقلاب، واصطدمت القوات الحكومية مع قوات مشار التي اتهمتها بالتمرد داخل الجيش.
ووصف كير مشار بأنه"رسول الخراب، الذي واصل أفعاله التي قام بها في الماضي" في إشارة واضحة إلي تحدي مشار سلطة مؤسس الحركة جون قرنق في مطلع التسعينيات.
وإنفصل مشار عن الحركة الشعبية، وأسس حركة منفصلة لعدة سنوات في تسعينيات القرن الماضي، تفاوض خلالها مع حكومة الخرطوم ما أسفر عن توقيع اتفاق للسلام بينهما عام 1997.
وعين مشار بعد هذا الاتفاق الذي وقعته أربع فصائل جنوبية مسلحة عرفت بمجموعة الناصر، مساعداً للبشير ومنسقاً لمجلس الولايات الجنوبية حينها. ولكن سرعان ما أعلن مشار استقالته من مناصبه الحكومية في دولة السودان وعودته إلي التمرد،في عام 2000، متهماً الخرطوم بإرسال قوات لمحاربة مقاتليه في الجنوب.
وأعلن مشار في 2001عودته لصفوف الحركة الشعبية،بعد قطيعة دامت 9 سنوات مع حليفه السابق قرنق. وبرز مشار من جديد بعد موت قرنق المفاجئ عام2005 عندما اختارته الحركة نائباً لسلفا كير في رئاسة حكومة جنوب السودان.
ودخل مشار في خلاف مع سلفا كير الذي اتهمته بقيادة محاولة انقلابية مع عدد من الوزراء في عام 2013، الأمر الذي تحول إلي نزاع مسلح بين الجانبين واتخذ سمة عرقية بين قبائل الدينكا والنوير.
وتوصل الجانبان إلي اتفاق سلام في أغسطس 2015، بعد تهديدات أممية بفرض عقوبات عليهما.واتفق الجانبان على تقاسم المناصب الوزارية، وهو ما يعني عودة تشكيلة الحكومة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع النزاع.

(الجنوب).. شبح الحرب الأهلية

لا شئ يضاهي وجع الرفاق حينما يحررون شهادات الموت للفكرة بالرصاص، عبثاً تخضب الأيادي بالدماء هناك وتموت أحلام (السودان الجديد) وبعض مطلوبات الحاضر، سلاماً وخبزاً و(بفرا).
جنوب السودان يبحر أكثر من نصف قرن دون نجاة، الموت لم يكن حادثاً عرضياً في مسيرته، بل قدر طويل ولعنة لا تهدأ فلم يستطع أن يكون شيئاً سوى الركام.
كل اتفاقيات السلام التي جرت هناك تنتهي بكوابيس وكأنها تكتب بأحبار الدم، وآخرها التي يشهد فصولها العالم في محيط القصر الرئاسي بجوبا منذ أسبوع وكل مساعي التهدئة تنتهي بزيادة عدد القتلى والفزع يملأ قلوب المدنيين حد مغادرتهم الوطن أو الاحتماء بأوهن الآمال ريما تنجلي الأزمة.
أمر بوقف إطلاق النار
رغم المحاولات غير المعدودة لإعادة التهدئة بالجنوب كان قرار الرئيس سلفاكير ميارديت موقف فوري لاطلاق النار أكثر الاشياء إصابة للصحة في ظل الوضع المأزوم. ونقلت (رويترز) عن الرئيس الجنوب سوداني، في مؤتمر صحفي أمس أمره لقوات الجيش بوقف اطلاق النار، وقال إنه لا يزال مستعداً للعمل مع منافسه ونائبه رياك مشار بعد الاشتباكات العنيفة التي شهدتها العاصمة والتي هددت بعودة البلاد الى الحرب الأهلية.
وأضاف المتحدث الرئاسي، أتيني ويك اتيني، لـ(رويترز) عبر الهاتف : (الوضع هادئ بالفعل اعتباراً من الآن)، وتابع (أمر الرئيس كل قادة جيش التحرير الشعبي السوداني بإعلان وقف إطلاق النار).
مضيفاً بأنه يجب حماية أي فرد من قوات مشار يرغب في الاستسلام.
حظر للسلاح وعقوبات على جوبا
الموت وحده أصبح المحفز العالمي للقلق، لا الأحياء الذين هم على حافة الموت خوفاً، لكن هذه المرة استخدم العالم عبر الأمين العام للأمم المتحدة، لغة القرارات. ودعا بان كي مون، خلال مؤتمر صحفي في بكين أمس لفرض حظر للسلاح على جنوب السودان ومعاقبة القادة السياسييين والعسكريين الذين يعرقلون تنفيذ اتفاق السلام، كما دعا الى تعزيز قوة حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية.
وقال مون للصحفيين (حان الوقت لتعزيز عمل الأمم المتحدة على نطاق واسع)، واضاف بأن القتال امتد الى مناطق خارج جوبا في الولاية الاستوائية الوسطى بوسط البلاد.وتابع (عندما لا تستطيع حكومة حماية شعبيها أو لا تفعل ذلك وعندما تكون الاطراف المتحاربة أكثر عزما على اثراء وتمكين انفسهم على حساب شعبهم فإن على المجتمع الدولي مسؤولية اتخاذ اجراء)، وقال إن صينيين اثنين من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وموظفين محليين بالمنظمة الدولية قتلوا في الاشتباكات وزاد : نحتاج بشدة الى طائرات (هليكوبتر) هجومية ومواد اخرى لتنفيذ تفويضنا الخاص بحماية المدنيين)، واضاف (أدعو ايضاً كل الدول المساهمة في مهمة الامم المتحدة في جنوب السودان للبقاء في مواقعها، وأن أي انسحاب من شأنه أن يبعث بإشارة خاطئة في جنوب السودان وفي ارجاء العالم).
أحداث اليوم الرابع
وتحدثت وسائط اعلامية عن تواتر احتدام قتال عنيف بالدبابات وطائرات (الهليكوبتر) في جنوب السودان، أمس لليوم الرابع من الاحداث بين قوات موالية للرئيس سلفاكير واخرى مؤيدة لرياك مشار نائب الرئيس رغم قرارات الأمم المتحدة والرئيس سلفا، بوقف اطلاق النار وتركزت الاشتباكات حول مطار جوبا وفي حي الجبل حيث توجد هناك قاعدة لقوات مشار، وأكدت مصادر جنوبية اندلاع معارك عنيفة في مدينة توريت، عاصمة ولاية شرق الاستوائية جنوبي شرق جوبا باتجاه الحدود الكينية.
وقال شهود عيان حسب (سودان تربيون)، إن اطلاقاً كثيفاً للنيران بدأ منذ الصباح في منطقة جبل (كجور) حيث مقر اقامة مشار وقواته وشوهدت قوات الحكومة تتراجع عن منطقة (الجبل) وسط المدينة بعد فترة قصيرة من الهدوء. واستخدمت اسلحة ثقيلة، كما سمع اطلاق نار في نواحي (قودلي وتوقنبق) بالقرب من مطار جوبا.
ورأى شاهد من (رويترز)، طائرتي (هليكوبتر) تحلقان وتطلقان النار فيما يبدو باتجاه المقار السياسية والعسكرية لمشار وقال سكان إن دبابات تجوب الشوارع وقال مسؤول من الأمم المتحدة إن معارك عنيفة نشبت حول مقرات المنظمة مجدداً.
ولم يتضح من يقود القتال أو من له الغلبة في المعارك، وأثار العنف مخاوف من أن كير ومشار قد لا يكون لهما سيطرة كاملة على قواتهما.
لكن خبراء يقولون ان الفشل في تطبيق بنود أساسية في اتفاق السلام بسرعة مثل دمج القوات وعدم حشدها سمح للتوتر بالتصاعد وزاد من مخاطر اندلاع صراع جديد.
تصاعد حدة الاشتباكات
وأفادت بعثة الأمم المتحدة، حسب راديو (سوا) الامريكي، بأن حدة الاشتباكات تتصاعد بين قوات الرئيس سلفاكير والمتمردين السابقين بزعامة مشار فيما انتشرت دبابات ومروحيات قتالية وسمع دوي مدافع في انحاء مختلفة من المدينة قبيل قرار اطلاق النار، واشارت البعثة الى أن جندياً صينياً من القوة الدولية لحفظ السلام قتل واصيب اثنان بجروح خطيرة، فيما تعرضت مجمعات أممية في جوبا لاطلاق نار.
وقال مسؤولون حكوميون ومصادر عسكرية موالية للرئيس كير، أن القصف طال المباني التي يشتبه في انها استخدمت من قبل المقاتلين في المعارضة المسلحة.
ووجهت اليابان امس ثلاث طائرات نقل عسكرية الى قاعدة جوية في شرق افريقيا للاستعداد لاجلاء مواطنيها بعد اندلاع القتال في جوبا.
وقال وزير الدفاع الياباني جين ناكاتاني، إن نحو(350) مهندساً عسكرياً في جوبا يقومون بمد طرق وبنية أساسية اخرى في البلاد سيبقون هناك.
وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيهيدي سوجا، إن موظفي وكالة التعاون الدولي اليابانية البالغ عددهم (47) شخصاً يستعدون لمغادرة جنوب السودان الى جانب ما بين (20-30) مدنياً آخرين في العاصمة.
ويهدد العنف الذي تفجر في العاصمة جوبا قبل أربعة أيام بالعودة الى الحرب الأهلية في جنوب السودان التي بدأت منذ ال1955م ولم تهدأ الا لـ"10" سنوات على خلفية اتفاقية اديس ابابا للسلام من العام "1972 – 1982م" وتواصل الموت في غابات الابنوس ثانية حتى 2005م التي شهدت اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) التي بموجبها اختار الجنوب الانفصال عن السودان باستفتاء شعبي 2011، ودون توقف للاحداث حتى أعلن رياك مشار المنحدر من قبيلة النوير تمرده على الحركة الشعبية الحاكمة بزعامة سلفاكير في ديسمبر 2013م وعودته على اتفاق سلام جديد مع الحكومة الى جوبا نائباً للرئيس منذ اقل من شهر لتعود الاحداث الدامية من الغابة الى قلب القصر الرئاسي في جوبا.
عدد الضحايا
تضاربت الانباء بشأن عدد القتلى في احداث جوبا المستمرة لاربعة ايام نقلت بعض الوسائط بأن ما يزيد عن "600" قتيل سقطوا جراء الاحداث الا أن مصدرا في وزارة الصحة بدولة جنوب السودان أعلن الاثنين عن ارتفاع حصيلة ضحايا معارك جوبا المسلحة، بين حرس الرئيس سلفاكير ميارديت، ونائبه رياك مشار مؤخراً الى"300" قتيل.
مشار بخير
د. رياك مشار العائد من الحرب تواً الى حرب المدينة قال في حسابه الخاص على (تويتر) أمس ان طائرات (هيلكوبتر) تابعة للرئيس سلفاكير هاجمت انصاره، مما يظهر ان الرئيس لا يرغب في السلام، وأكد أنه بخير ولم يفقد الامل في المستقبل، واضاف (أدعو للهدوء وضبط النفس فيهذه المناوشات "انا بخير" يجب الا يطبق احد القانون بيديه لزعزعة استقرار هذا البلد واضاف ان جنوب السودان (يحتاجنا جميعاً) وقال مشار في حديث مع اذاعة "أي راديو جوبا" اقول لكل القوات التي قاتلت ودافعت عن نفسها ان عليها ان تحترم وقف اطلاق النار والبقاء حيث هي في الوقت الحاضر".
موضحاً ان وقف اطلاق النار سيدخل حيز التنفيذ الاثني ابتداء من الساعة 20.00 "17.00" تغ
مشار اتضح من حديثه للمراقبين انه من وضع الالغام في طريق اتفاق السلام بقوله (سلفاكير لا يرغب في السلام)، ما يعني أن الرجل اقتنع بالعودة الى مربع الشك الذي ظل يلازمه عند كل خروج تدعمه (كجور) النوير القاتلة انه الرئيس لا محالة، وانه يسعى في كل حالاته للاطاحة بسقف النظام ليتربع على كرسي الرئاسة هناك.
مواقف دولية
وفي السياق قالت شانتال بيرسو، المتحدثة باسم بعثة الامم المتحدة، لـ(رويترز) عبر الهاتف أمس ( نحث على وقف الاقتتال ونأمل ان ينقذوا القادة السياسيون" كل البنود العملية من اتفاق السلام).
واضافت ان اطلاقا للنار وقع يوم الاثنين حول مقرات للامم المتحدة في منطقة جبل في جوبا وايضا حول قاعدة قرب المطاروتعرضت قواعد الامم المتحدة لاطلاق نار من اسلحة خفيفة وثقيلة وعبرت البعثة عن غضبها البالغ من تجدد العنف في احدث دولة في العالم التي احيت الذكرى الخامسة لاستقلالها عن السودان الاسبوع الماضي، ولا يزال الناس في جنوب السودان يرزحون في الفقر وانخفض بشدة انتاج النفط في البلاد وهو مصدر الدخل الرئيسي.
وبعد اجتماع طارئ قال مجلس الامن الدولي للزعيمين إن عليهما (بذل كل ما في وسعهما للسيطرة على قواتهما وانهاء القتال بشكل عاجل ومنع انتشار العنف). وإلزام نفسيهما باتفاق السلام وقال المجلس ان الهجمات على المدنيين وافراد بعثة الامم المتحدة ومقراتها قد ترقي لجرائم حرب وستحتاج إلى تحقيق.
قلق من حرب أهلية
بعد أربعة أيام من الاحداث لم يتضح بعد هدف أي من الجانبين لكن العنف اثار مخاوف من عودة الحرب الاهلية التي اندلعت عام 2013م بعد عزل رياك مشار من منصب نائب الرئيس، وامتدت الحرب على اساس عرقي بين قبيلة الدينكا التي ينتمي اليها سلفاكير وقبيلة النوير التي ينتمي اليها مشار التي على اثرها قتل الآلاف واجبر ما يزيد عن مليوني ونصف مليون شخص على الفرار من ديارهم وترك نحونصف السكان البالغ عددهم (11) مليون نسمة يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء.
ويهدد تجدد القتال باخراج المزيد من السكان الى مخيمات لاجئين فيدول مجاورة واشاعة المزيد من الاضطرابات في منطقة وسط افريقيا التي تشهد الكثير من الاضطرابات بالفعل.
الخرطوم على الخط
الخرطوم التي تبدومهتمة بتأزم الاوضاع في الجنوب، ومتهمة من البعض تحرص حسب خطابها الرسمي على توسط الاطراف والوقوف على ذات المسافة بين طرفي الصراع وتدعو للتهدئة، وتشرع في سحب مواطنيها هناك، يرغب(3) آلاف منهم في العودة الى الديار.. لكن غالب وسائط التواصل الاجتماعي في الخرطوم تقول بأكثر من لغة(أنتم في القلب حفظكم الله)

الثلاثاء، 12 يوليو 2016

سلفاكير ومشار يأمران قواتهما بوقف إطلاق النار

أمر كل من رئيس جنوب السودان سلفاكير ونائبه رياك مشار، قواتهما المتناحرة في جوبا بوقف إطلاق النار بشكل فوري، وفيما حدّد كير السادسة من مساء الإثنين لسريان قراره، اختار غريمه مشار الثامنة من ذات المساء.
ووقَّع الرئيس كير على مرسوم يأمر "بوقف النار بمفعول فوري" ابتداءً من الساعة الساعة 18:00 بالتوقيت المحلي، حسب ما جاء في بيان تلاه ماكوي على التلفزيون الرسمي.
وقال مشار في حديث مع إذاعة "اي راديو جوبا" "أقول لكل القوات التي قاتلت ودافعت عن نفسها، إن عليها أن تحترم وقف إطلاق النار والبقاء حيث هي في الوقت الحاضر"، موضحاً أن وقف إطلاق النار سيدخل حيز التنفيذ الإثنين ابتداءً من الساعة 20.00 "17.00 تغ".
من جانبه دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مجلس الأمن، الإثنين، لفرض حظر للسلاح على جنوب السودان ومعاقبة القادة السياسيين والعسكريين الذين يعرقلون تنفيذ اتفاق السلام كما دعا إلى تعزيز قوة حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية.
وقال "إننا نحتاج بشدة إلى طائرات هليكوبتر هجومية ومواد أخرى لتنفيذ تفويضنا الخاص بحماية المدنيين".
وأضاف "أدعو أيضاً كل الدول المساهمة في مهمة الأمم المتحدة في جنوب السودان للبقاء في مواقعها. أي انسحاب من شأنه أن يبعث بإشارة خاطئة في جنوب السودان وفي أرجاء العالم".
وتشير الأنباء إلى أن وزراء خارجية دول الإيقاد الأفريقية من المحتمل أن يصلوا إلى جوبا خلال يوم لحث الأطراف على الالتزام بعملية السلام.

ارتفاع ضحايا اشتباكات جوبا إلى 300 قتيل

أعلن مصدر في وزارة الصحة بدولة جنوب السودان، يوم الإثنين، عن ارتفاع حصيلة ضحايا المعارك المسلحة العنيفة التي اندلعت في جوبا عاصمة جنوب السودان، بين حرس الرئيس سلفاكير ميارديت، ونائبه رياك مشار مؤخراً إلى 300 قتيل.
كما أفادت بعثة الأمم المتحدة، حسبما ذكر راديو "سوا" الأمريكي، بأن حدة الاشتباكات تتصاعد بين قوات الرئيس سلفاكير والمتمردين السابقين بزعامة نائبه رياك مشار، فيما انتشرت دبابات ومروحيات قتالية وسُمع دوي مدافع في أنحاء مختلفة من المدينة.
وأشارت البعثة إلى أن جندياً صينياً من القوة الدولية لحفظ السلام قُتل وأُصيب اثنان بجروح خطيرة، فيما تعرضت مجمعات أممية في جوبا لإطلاق نار.
وقال مسؤولون حكوميون ومصادر عسكرية موالية للرئيس كير، إن القصف طال المباني التي يشتبه في أنها استخدمت من قبل المقاتلين في المعارضة المسلحة.
ووجّهت اليابان، الإثنين ثلاث طائرات نقل عسكرية إلى قاعدة جوية في شرق أفريقيا للاستعداد لإجلاء مواطنيها بعد اندلاع القتال في جوبا.
وقال وزير الدفاع الياباني، جين ناكاتاني، إن نحو 350 مهندساً عسكرياً في جوبا يقومون بمد طرق وبنية أساسية أخرى في البلاد سيبقون هناك.
وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيهيدي سوجا، إن موظفي وكالة التعاون الدولي اليابانية البالغ عددهم 47 شخصاً يستعدون لمغادرة جنوب السودان إلى جانب ما بين 20 و30 مدنياً آخرين في العاصمة.

"إيقاد" تمنح القوات الدولية تفويضاً للتدخل في معارك جوبا

أقر اجتماع طارئ لوزراء خارجية دول الـ"إيقاد"، عقد في العاصمة الكينية نيروبي، توسيع مهام قوات حفظ السلام الدولية الموجودة في دولة جنوب السودان وزيادة عددها، لتكون قوة أممية للتدخل، وحث الأطراف المتصارعة على وقف فوري لإطلاق النار.
وأكد بيان صادر عن وزارة الخارجية السودانية، أن اجتماع "إيقاد" أقر الوقف الفوري لإطلاق النار، وفتح مطار جوبا أمام حركة المسافرين، وعودة كل القوات المتحاربة إلى الثكنات العسكرية فوراً، وفتح الممرات الإنسانية لمرور الإغاثة.
وسقط مئات القتلى إثر اندلاع القتال في مدينة جوبا عاصمة، أحدث دولة بالعالم كانت تستعد للاحتفال بمرور خمس سنوات عن استقلالها عن السودان يوم 9 يوليو الحالي.
وطبقاً للبيان، فإن الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية "إيقاد"، دعا إلى مراجعة ميثاق قوات الأمم المتحدة المنتشرة بجنوب السودان "لتصبح قوة أممية للتدخل وزيادة عددها"، وينتشر نحو عشرة آلاف جندي أممي في البلاد.
خرق القانون
واتفق الاجتماع على القبض على المتسببين في خرق القانون ومحاسبتهم، والتطبيق الفوري لاتفاق الترتيبات الأمنية الذي اتفق عليه وفق آلية "إيقاد".
ويواجه اتفاق السلام الموقع في أغسطس 2015 لإنهاء 21 شهراً من الحرب الأهلية، تحديات بما في ذلك عدم التعاون بين القوتين بجوبا وعدم تنفيذ الترتيبات الأمنية في جميع أنحاء البلاد.
وشارك في الاجتماع الطارئ إلى جانب وزير الخارجية السوداني أ.د.إبراهيم غندور، كل من وزراء خارجية كينيا، وإثيوبيا، ويوغندا، والصومال، ونائب وزير خارجية جنوب السودان، وسفيرة جيبوتي بنيروبي، ورئيس آلية المراقبة لسلام جنوب السودان، إلى جانب ممثل الترويكا السفير الأميركي بنيروبي، وسفير الاتحاد الأوروبي بنيروبي.
وأدان الاجتماع مسلك العنف، ودعا لضبط النفس وتحكيم العقل والعمل على تطبيق اتفاقية السلام.
وتعهد وزراء خارجية "إيقاد" ببذل الجهود للتوسط بين طرفي النزاع والعمل لإحلال السلام والاستقرار بدولة الجنوب.

المتحدث باسم المعارضة الجنوبية بشأن العنف في جوبا

تسارعت وتيرة الأحداث في جنوب السودان وبات الوضع ينذر بكارثة انسانية نتيجة للاشتباكات العنيفة بين الجيش الشعبي التابع للحكومة بقيادة سلفاكير ميارديت وقوات المعارضة المسلحة التي يتزعمها رياك مشار الذي تمت إعادته في منصبه كنائب أول للرئيس، وقد تبادل الطرفان الاتهامات وبات كل منهما يلقى باللائمة على الآخر بخرق الاتفاقية والتسبب في مايجري، أجرت (آخر لحظة) اتصالا هاتفيا بالناطق الرسمي باسم أحزاب المعارضة في دولة الجنوب ديفيد وليم الذي يشغل منصب الأمين العام لجبهة الانقاذ الديمقراطية، باعتبار أنه يمثل جسماً محايداً، وحاورته في عجالة بشأن الأمر فاجاب على التساؤلات رغم الظروف الأمنية واستمرار إطلاق الرصاص في المنطقة التي حول سكنه، وبعث بمناشدات لدول الجوار والمجتمع الدولي كما بين المخرج من الأزمة
لماذا لم تتدخل أحزاب المعارضة لاحتواء النزاع الأخير قبل أن يتفاقم ؟
- بصراحة ليس هنالك شخصاً كان يتوقع أن ينفلت الوضع للمرحلة التى فيها نحن الآن، والمسألة بدأت كانفلات بسيط وسوء تفاهم بين عساكر الجيش الشعبي وجيش المعارضة التي يقودها رياك مشار في شارع قويدلي، نجم عنه وفيات، وفى اليوم الثاني عقد سلفاكير ونائبيه اجتماع لاحتواء هذه الأزمة، وتفاجأنا باشتباكات في القصر الرئاسي، اتضح فيما بعد أنها خارج السور ولم تكن في الداخل، والرئيس ونائبه الأول دعوا المواطنين للهدوء، وقالوا إنهم يعرفون سبب المشكلة، اليوم الصباح تفاجأنا باشتباكات في مناطق قوديلو وامتد حتى اتجاه المطار وقاعدة بلفاك، وأصبح الوضع العسكري هو المسيطر، وصوتنا كمعارضة سلمية صار أضعف من صوت المدافع.
* أين موقع الأحزاب هذه في لجان مراقبة وتنفيذ الاتفاقية ؟
- نحن مشاركين في كل اللجان ورئيس تحالفنا د لام أكول أجاوين عضو في مجلس الوزراء بصفته وزيراً للزراعة، ونائب رئيس التحالف هو نائب وزير الزراعة، وعندنا أعضاء يفترض أن يدخلوا البرلمان ولم يتم تعيينهم، لكن الوضع صار عسكرياً خارج إطارنا.
* ماهي قراءتكم لما يجري حالياً في جوبا ؟
- نحن نرى أن هنالك سوء تفاهم بين العسكر من الطرفين قاد إلى اشتباكات فيما بينهما، وهذا في حد ذاته خطر على اتفاق السلام، لأنه يفترض أن تتدخل لجان وقف إطلاق النار، وتعمل على الفصل بين قوات بين الطرفين، وذلك كله لم يحدث، وهو مسؤولية الضامنين للاتفاق مثل الايقاد وأصدقائها والاتحاد الأفريقى والمجتمع الدولي،
* هل تعتقد أن هنالك تقصيراً وتقاعساً من هذه الأطراف في الالتزام بتعهداتها تجاه عملية السلام ؟
- إذا لم يكن هنالك تقاعساً من المجتمع الدولي، لما وصلنا إلى المرحلة التى وصلناها الآن، الاتفاق وقع بضمانتهم وكذلك عودة النائب الأول، وأصبح ليس هنالك تنفيذاً للاتفاق، كان يفترض في هذا التوقيت أن تكون هنالك قوات محددة والبقية تخرج من المدينة، ولكن لايوجد تنفيذ لما تم الاتفاق عليه بين الجانين
* إلى أي مدي أثرت الأحداث على الحياة اليومية في جوبا الآن؟
- والله الحياة اليومية متوقفة، وكل مواطن ملتزم منزله والعساكر هم الذين في الشوارع حالياً، اذا عاد العسكر إلى ثكناتهم فإن الأمور ستعود لطبيعتها لكنهم حالياً منتشرين.
كيف تعمل الإذاعة والتلفزيون حالياً في هذه الظروف، هل توقفت البرامج أم ماذا ؟
- الاذاعة والتفزيون تعملان لكنهما موجهين من الحكومة، يبثون الكلام الذى يقوله لهما مايكل مكوي وزير الإعلام
* هل تعتقدون أن ماجرى انهياراً للاتفاق أم أن هنالك أمل بعودة الأمور إلى نصابها ؟
- نحن كأحزاب جنوبية معارضة نتمني أن يكون هنالك انقاذا لاتفاقية السلام، يتم وقف إطلاق النار والفصل بين القوات، يعمل الناس على ألا ينهار الاتفاق الذى تم توقيعه باديس أبابا، لأنه إذا انهار الاتفاق فسيؤدى الى انهيار دولة جنوب السودان، وهذا الاتفاق بالرغم من هشاشته إلا أنه المخرج الوحيد للسلام في البلاد، لذلك نطالب المجتمع الدولى بالتدخل للفصل بين قوات الطرفين وممارسة ضغوط حتى يستتب الأمن والاتفاقية تمضي إلى الامام
* هل عقدتم اجتماعات كمعارضة أو أصدرتم مناشدة لإحتواء الوضع ؟
- نحن اخرجنا بيان بمناسبة عيد الاستقلال، لكن منذ أن بدأت الاشتباكات يوم الجمعة لايستطيع أي أحد التحرك، الحركة صعبة لو أنت تحركت فانك تخاطر بروحك
* هل لديكم أية رسائل للطرفين ؟
- رسالتنا للطرفين المتصارعين في جوبا أن يحكما صوت العقل، الشعب عاني بمافيه الكفاية، ونحن محتاجون لأن يستمتع الناس بالأمان، ويسحب كل طرف قواته، نريد أن نكون مثلنا مثل بقية شعوب العالم.
* ماذا تقولون لدول الجوار مثل السودان كينيا يوغندا واثيوبيا ؟
- نقول لهم جميعاً إنهم الضامنين للاتفاق، وفشله يعني فشلهم كدول، لذلك لكي يتم انقاذ شعب جنوب السودان يفترض أن يمارسوا ضغوطاً على الأطراف المتحاربة لكى تتوقف الحرب.
* إذا هدات الأوضاع ماهى أول خطوة ستقومون بها ؟
- سنسعي لتنفيذ الاتفاق لأن التزام الأطرف به هو المخرج، وهو تحدث عن ترتيبات أمنية وحكومة الوحدة الوطنية والبرلمان واصلاحات في الإقتصاد والبنك المركزي، وتكلم عن المصالحة، من المهم أن نرجع لننفذ الاتفاق كما هو..

جنوب السودان وقصة أطول مشروع استعماري في العالم العربي

ليس من قبيل المبالغة القول أن مشروع انفصال جنوب السودان عن الوطن الأم، هو أحد أطول المشروعات التي نفذها الاستعمار الغربي بين ظهراني عالمنا العربي، ذلك أن عملية فصل جنوب السودان، كمنطقة من أهم مناطق تخوم الأمن القومي العربي والإسلامي الجنوبية، ربما استغرقت حتى تتم أكثر من 140 عامًا!
ولهذا قصة طويلة نسردها سويًّا.
لكن قبل ذلك نتأمل الوضع القائم في هذا البلد الوليد، أول ما سوف يطالعنا هو 300 قتيل في تجدد للصراع الأهلي السياسي والقبلي الطابع، فيما يؤكد رياك مشار نائب رئيس البلاد، أن بلده قد عادت إلى حالة الحرب مجددًا.
حالة الحرب هذه التي يتحدث عنها مشار لم تتوقف لحظة في هذه البقعة من الأرض، منذ أكثر من ربع قرن متواصلة، في أطول حروب القارة الإفريقية الأهلية طولاً، راح ضحيتها حوالي مليونَيْ نسمة، ونزح على إثرها أربعة ملايين آخرين!
جنوب السودان الذي "كافح" لأجل "الاستقلال" - مع التحفظ على التوصيفات - طيلة عقود طويلة، يبلغ دخله القومي السنوي حوالي 13 مليار دولار، فيما يبلغ متوسط دخل الفرد فيه حوالي 1.8 دولار يوميًّا، أي ما دون مستوى حد الفقر المدقع بحسب بيانات الأمم المتحدة التي قالت إن هناك مجاعة شاملة في هذا البلد الذي يسكنه حوالي 11 مليون نسمة.
ولا أحد يدري إلى أين يتجه هذا البلد، الذي يبدو أنه الوحيد الآن في القارة الإفريقية الذي يسير عكس خط التاريخ السياسي والاجتماعي للقارة، التي باتت حتى أكثر دولها تخلفًا، تسير في طريق التقدم، أو على الأقل تعرف مفهوم الدولة، وتسعى إلى تحقيق مستوى من الاستقرار يتيح لها تنفيذ بعض خطط التنمية لصالح شعوبها، أو حتى للمحافظة على بقاء أنظمتها.
تعهدت الولايات المتحدة بدعم السلام والتنمية في جنوب السودان، وكانت نتيجة هذه التعهدات التي جاءت في الاحتفالات بالذكرى الأولى للتأسيس، في يوليو 2012م، المزيد من الحروب والانقسامات العرقية، يقودها رأسا السلطة هناك، الرئيس سيلفا كير ونائبه رياك مشار.
ويلخص جون برندرجاست مؤسس ومدير برنامج "إينَف" في مركز "أميركان بروجريس" المقرب من دوائر صنع القرار في واشنطن: "استثمرنا بكثافة في بناء المؤسسات الحكومية في أحدث دولة في العالم، لكن في نفس الوقت، كانت الانقسامات السياسية داخل الحزب الحاكم هناك تزيد وتتقيح".
أما إدوارد رويس رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي (جمهوري)، فيقول إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ومستشاريه استمروا في تأييد حكومة جنوب السودان، برغم الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وعرقلوا عقوبات في مجلس الأمن على الحكومة الجنوبية، حتى وصل الحال إلى ما هو عليه الآن!
على طريق الأزمة
لم تكن تلك المنطقة من الظهير الجنوبي للعالم العربي والإسلامي معروفة بدقة قبل العام 1820م، عندما بدأ بعض المستكشفين الغربيين في غزو تلك البقاع البعيدة الأقرب إلى إفريقيا السوداء منها إلى العالم العربي ومراكزه الحضارية.
وبطبيعة الحال فإن هذه المنطقة لم تكن تعرف من الدين واللغة أي شيء، وكان أول من وصل إليها هم المنصِّرون؛ حيث أرسلت بعض الكنائس الأوروبية بعض الإرساليات التي قامت بنشر المسيحية على المذهبَيْن البروتوستانتي والكاثوليكي، وهما مذهبي أوروبا الرئيسيَّيْن، بينما لم يتم السماح للكنائس الشرقية، والتي كان من المنطقي أن تعمل في هذه المناطق، بموجب أنها مجاورة للحبشة ومصر، حيث تسيطر الكنيسة القبطية المصرية.
جغرافيًّا كانت هذه المنطقة تتبع دولة السودان، وكان محمد علي باشا الكبير هو الذي أسس للتقسيم الجيوسياسي المعروف بالسودان حاليًا قبل انفصال جنوب السودان عنه، عندما قام في العام 1821م، بإرسال حملة عسكرية لضم السودان، فكان أن ضمت كافة المناطق التي استقلت في العام 1956م باسم دولة السودان، بما في ذلك المديرية الاستوائية التي تحولت بعد ذلك إلى دولة جنوب السودان.
وللتدليل على العمق الزمني لمؤامرات الغرب على العالم العربي والإسلامي، وأن ما يجري بين ظهرانينا ليس "ابن البارحة"، نقف عند هذه النقطة الزمنية، ضم محمد علي للسودان.
كان من بين أهم الأسباب التي دفعت محمد علي إلى استطلاع الأوضاع في السودان، في العشرية الأولى لحكمه، قضية نهر النيل.
فخلال القرن الثامن عشر، كانت الحبشة تشكل تهديدًا للمصريين والسودانيين على حد سواء، في ظل تفكير كان قائمًا منذ وقتها - وظل إلى الآن - لتحويل سكان هضبة الحبشة لمجرى النيل الأزرق، بدعم من بريطانيا العظمى والقوى الاستعمارية الأوروبية الأخرى.
ظلت السودان بالكامل تحت الحكم المصري في عهد محمد علي وأسرته من بعده، كحاكم فعلي، بينما كانت الدولة العثمانية هي الحاكم الأسمي لهذه المناطق، بموجب اتفاقية 1840م التي قلصت فيها القوى الكبرى نفوذ محمد علي في مصر والسودان وبلاد الشام.
كانت بداية مشروع فصل جنوب السودان عن شماله العربي المسلم، قد تبلورت فعليًّا بنشاطات الإرساليات الغربية في المناطق الجنوبية لإقليم السودان الذي عُرِف بعد احتلال بريطانيا لمصر عام 1882م، ثم اتفاقية 1899م الشهيرة، باسم السودان البريطاني.
أدى نشاط هذه الإرساليات إلى تأسيس ثقافة دينية ولغوية مختلفة، أُضيفت إلى التمايزات العرقية الموجودة أصلاً بين شمال السودان العربي وجنوبه الذي تقطنه قبائل إفريقية صرفة، مثل الشيلُك والدينكا والدينكا نوير.
وعندما احتلت بريطانيا مصر، في ثمانينات القرن التاسع عشر، بدأت في ممارسة نفوذها على الإدارة المصرية في السودان، بحيث تم سحب موظفي الإدارة المصريين وعناصر الجيش المصري من مناطق المديرية الاستوائية، التي كانت تمتد جنوب خط عرض 3 شمال خط الاستواء، مع منع الشماليين من تولي أية مناصب إدارية في الجنوب، وقطع التبادل التجاري بين الجانبَيْن تمامًا.
كما فرقت بريطانيا في سياسات التعليم ما بين الشمال والجنوب، مع دعم تجارة الرقيق في بعض الأوساط الشمالية، بحيث وقر في نفوس الجنوبيين أن الشماليين من العرب المسلمين، إنما هم تجار رقيق، ويريدون أن يمارسوا نفوذهم على الجنوبيين الأميين الذين لا يستطيعون مواجهتهم.
وبشكل عام، كانت الإدارة البريطانية لجنوب السودان، تشبه معاملة سلطات الاحتلال البريطاني لمستعمراتها الأخرى في وسط وشرق إفريقيا، مثل كينيا وأوغندا وتنجانيقا (تنزانيا حاليًا)، بينما كان شمال السودان يُعامل كما تُعامل مصر.
وتكرس هذا الوضع بعد قمع الثورة المهدية بعد معركتَيْ كرري وأم دبيكرات عامَيْ 1898م و1899م، وتوقيع اتفاقية الحكم الثنائي البريطاني المصري، في العام 1899م، لدرجة أن بريطانيا بدأت في منح معونات رسمية إلى الإرساليات الغربية والبعثات التنصيرية العامة في جنوب السودان بدءًا من العام 1927م، مع الاستمرار في الفصل الإداري والتعليمي الكامل بين شمال السودان وجنوبه.
وكانت بريطانيا من قبل ذلك بثلاثة أعوام، قد قامت بإخراج الجيش المصري من السودان بالكامل، بعد اغتيال الجنرال لي أوليفير فيتزماورس ستاك، أو السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام إبان الحكم الثنائي المصري البريطاني السودان.
وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا تدير جنوب السودان بشكل منفصل تمامًا عن شماله.
بريطانيا وحروب السودان الأهلية
في العام 1946م، ضمت بريطانيا الإقليمَيْن في إقليم واحد ضمن استراتيجية جديدة لها في الشرق الأوسط مما قاد إلى احتجاجات من جانب الجنوبيين، الذين كانوا قد بدأوا يحصدون ثمار التعليم الغربي، وصار لهم رموزًا يتحدثون باسمهم وباسم إقليمهم.
ونتيجة لعقود طويلة من تكريس الانقسامات الدينية والعرقية واللغوية بين الشمال والجنوب، فإنه عند استقلال السودان عن مصر في العام 1956م، طالب الجنوبيون بوضعية خاصة لهم في الإقليم الجديد، في صورةِ فيدرالية، إلا أن زعماء الكيان الجديد رفضوا ذلك، معتبرين إياه أنه خطوة على طريق الانفصال.
أدى ذلك إلى حربَيْن أهليتَيْن، كان لبريطانيا ثم الولايات المتحدة دور كبير في إدارتها بالصورة التي أدت إلى انفصال جنوب السودان.
مليونا قتيل وأربعة ملايين نازح ثمن فصل جنوب السودان!
ففي الحرب الأولى التي دامت 17 عامًا بين 1955م و1972م، كان أعضاء الإدارة البريطانية في جنوب السودان، والتي كانت توجه وتحكم فيلق قوات الدفاع الاستوائية، وكان مقرها توريت في الجنوب، هم الذين بدأوا التمرد الذي بدأ في 18 أغسطس من العام 1955م، وبدأ من توريت ثم امتد إلى جوبا وياي ومدن جنوبية أخرى، قبل أن يؤسسوا عصابات الأنيانيا المسلحة التي تحولت بعد ذلك إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان.
لم يفلح اتفاق أديس أبابا الذي وقعه جعفر النميري مع المتمردين في العام 1972م، في وقف الحرب تمامًا بعد أكثر من نصف مليون قتيل، حيث تجددت بصورة متقطعة في العام 1974م، وفترات أخرى من عقد السبعينات، قبل أن تبدأ الحرب الأهلية الثانية، التي شهدت تمرد الكتيبة 105 الجيش السوداني، وذلك في العام 1983م.
كان العقيد جون جارانج (أو قرنق بحسب النطق الذي يتفادى الجيم المصرية غير المعطَّشة)، الذي أسس الجيش الشعبي لتحرير السودان، جزءًا من مؤامرة تمرد الكتيبة 105، بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث كان قد تلقى تعليمًا مدنيًّا وعسكريًّا رفيع المستوى، وعندما أرسلته الحكومة السودانية من كردفان حيث مقر خدمته، إلى "بور" في الجنوب، مقر الكتيبة 105، عمل على تجميع عناصرها، قبل أن يضم إليها 3500 من المقاتلين الجنوبيين المتمردين، ويفر إلى إثيوبيا، حيث حظي بدعم الحكومة هناك.
كان سبب التمرد الجديد هو تطبيق النميري ما وصف في حينه بالقوانين الإسلامية، وكانت مناورة من النميري لامتصاص المعارضة الإسلامية والشعبية المتنامية له، وبالتالي فقد أثار قوى داخلية في الجنوب، وغربية، دفعت إلى قلاقل واضطرابات في الجنوب السوداني، مما دعاه إلى إرسال جارانج لإخمادها، إلا أنه قاد التمرد هناك.
وطيلة الفترة التي دامتها الحرب الأهلية، وحتى التوقيع على اتفاق نيفاشا في يناير 2005م، كان جارانج ينتقل بين العواصم الغربية، وبخاصة لندن وواشنطن، يجمع الدعم المالي والسياسي والمعنوي للجيش الشعبي لتحرير السودان.
وخلال الفترة الانتقالية التي تلت مقتل جارانج، في حادث الطائرة الغامض هذا في أوغندا، في 30 يوليو 2005م، كانت كلٌّ من لندن وواشنطن تتابعان بدقة مدى التزام الخرطوم بتطبيق الاتفاق الذي قاد إلى انفصال جنوب السودان عن شماله بموجب استفتاء تم في يناير 2011م.
السياسة الأمريكية القذرة والحاضر المظلم!
يصف الصحفي المصري مصطفى سعد، العملية التي تمت في العقود الماضية لضمان "استقلال" جنوب السودان عن شماله، أنها كانت "الحلقة الأولى في سلسلة إعادة الفك والتركيب لإنتاج ما يسمى الشرق الأوسط الجديد - طبقاً لوجهة نظر أمريكية - والذي يتمثل جوهر مفهومه في التخلص من الحدود الحالية لدولة، وإعادة تقسيم تلك الدول على أسس مختلفة، منها ما هو ديني وما هو مذهبي وما هو عرقي وغيرها".
ويضيف أن الهدف من ذلك هو التخلص من الكيانات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط بتقسيمها إلى دويلات صغيرة، بما يساهم في إضعافها أمام كيانات أخرى مطلوب تعظيم دورها سعيًا لتتبؤ الأخيرة مكانة إقليمية تمكنها من قيادة المنطقة" ["الحياة" اللندنية/ 26 فبراير 2014م]
وهذا ملخص وافٍ في حقيقة الأمر لما جرى، ونلتمس في ذلك بعض الأدلة.
في تقرير للصحفي المعروف جيفري فيتلمان مراسل صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، كتبه بعد حضوره حفل "استقلال" الجنوب في جوبا، كتب يقول: "تعاونت شخصيات أمريكية مشهورة مع جمعيات مسيحية أمريكية وسياسيين أمريكيين، لمساعدة حركة ضعيفة على تحقيق ما فشلت حركات انفصالية في دول أخرى في تحقيقه، وهو الانفصال".
ويضيف ما يؤكد حقيقة المشروع الاستعماري الكامن وراء هذا الذي جرى ولا يزال يجري بين ظهرانينا: "ظل السودان هاجسًا للغرب لأكثر من مائة سنة، إنها مسألة تدعو للتساؤل، لماذا كل هذا الاهتمام بجنوب السودان؟ لماذا من دون مناطق الحرب الأخرى في العالم؟ لماذا من دون ما تشهده إفريقيا من حمامات دم في ليبيريا والصومال وغيرهما؟!".
وفي الحقيقة أن الرجل كان يجيب على هذه الأسئلة بصورتها هذه، أكثر من كونه يتساءل عن إجابات لها!
كما تكشف وثيقة من وثائق "ويكيليكس" أرسلتها السفارة الأمريكية في الخرطوم، في العام 2006م، عن اجتماع في الخرطوم لقادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، مع جينادي فريزر مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية في ذلك الحين كوندوليزا رايس للشؤون الإفريقية، أن فريزر قالت لعدد من قادة الحركة الشعبية، وهم: ياسر عرمان، ومالك عقار، ودينق ألور، عندما تحدثوا عن أن جون جارانج كان يريد الوحدة بين شمال السودان وجنوبه: "إن الولايات المتحدة لا تريد الوحدة، إن هدف الولايات المتحدة هو تغيير الحكم في السودان، وليس فقط تغيير الحكومة".
وقالت إن المصالح الأمريكية أهم لدى واشنطن من الصداقة مع الجنوبيين!
هذا جانب، أما عن كيفية تنفيذ واشنطن لذلك، سوف نشير هنا فقط إلى دور لعبته شركة دين كورب الأمريكية، وهي ذراع مهمة للمهام القذرة للخارجية الأمريكية في السودان.
ففي مايو من العام 2003م، فازت شركة دين كورب بعقد من وزارة الخارجية الأمريكية للقيام بـ "مهام" معينة في السودان، وتحت ستار مهام وأنشطة اقتصادية، عملت الشركة على تعزيز القدرات العسكرية للجيش الشعبي لتحرير السودان، لإضعاف موقف حكومة الخرطوم إذا ما أخلت باتفاق وُقِّع في العام 2002م، وعُرف باتفاق "ماشاكوس"، وكان نواة اتفاق "نيفاشا" الذي أفضى إلى استفتاء الانفصال في العام 2011م.
ولا تقف المصالح الاقتصادية فقط، مثل النفط وشراء الشركات الأمريكية للأراضي الخصبة في جنوب السودان، وراء هذا كله، حيث إن أقرب الأمور للدقة في أهداف التحالف الأنجلو ساكسوني، هو تفتيت أوصال العالم العربي والإسلامي، ولكن لنقف قليلاً عند الجانب الاقتصادي، حيث هو كاشف.
فالشركات الأمريكية هي أكثر الشركات العالمية التي استفادت من رفع العقوبات عن السودان في 2006م، كمكافأة للخرطوم على التوقيع على اتفاق "نيفاشا" والالتزام به.
ومن بين هذه الشركات شركة "بلاك ووتر" التي حصلت على عقد لتوفير حماية أمنية لكبار مسؤولي حكومة جنوب السودان، ولتدريب جيش الجنوب، وكان وراء منحها ذلك التعاقد، على سمعتها القذرة في العراق، نائب الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد تشيني.
رئيس الشركة إيريك برنس لم يطلب أية أموال نظير هذه الخدمات، ولكنه طلب حق الانتفاع بما قيمته 50% مما تحتويه مناجم معادن حديد وذهب في جنوب السودان، وكان يقود المفاوضات الخاصة بذلك، وبشكل مباشر مع سيلفا كير، نائب رئيس الشركة كريستوفر تايلور، الذي اصطحب معه إلى جوبا عاصمة الجنوب، اثنان من كبار قادة تيار المحافظين الجدد البروتوستانت، هاورد فيليب وإيدجر برنس.
كما قام رجل الأعمال الأمريكي فيليب هالبيرج، بشراء 400 ألف فدان من الأراضي في جنوب السودان (مساحة أكبر من إمارة دبي)، باسم شركة "جيرش" التي يملكها، وتعمل في مجال الاستثمار الزراعي.
وبعد، فإن القصة تطول، وتفاصيلها معقدة بأحداثها الممتدة على أكثر من 14 عقدًا من الزمان، وشخوصها الممتدين على أطراف الأرض بين عسكريين وساسة ومغامرين وأفاقين، لكن ما سبق يفي بغرض مهم لهذا الموضوع، وهو أن مشروعات الاستعمار الغربي في منطقتنا العربية والإسلامية ليست وليدة اليوم واللحظة كما يظن البعض.
فمشروع سد النهضة صار له مائتَيْ عام، والمشروع الصهيوني بدأ قبل إعلان قيام دولة الكيان في فلسطين المحتلة بأكثر من مائة عام، فإلى متى سيظل البعض ينظر تحت أقدام دقائق اللحظة؟! الإجابة ربما عندما يتفكك آخر بلد عربي ومسلم!