الاثنين، 2 فبراير 2015

جنوب السودان تنعطف شرقاً: البداية من فلسطين

أسهمت الأزمة الأخيرة التي شهدتها دولة جنوب السودان مع اندلاع الحرب الأهلية في ديسمبر/كانون الأول من عام 2013، بإعادة جوبا لحساباتها حول ملف السياسة الخارجية، خصوصاً بعدما شهدت علاقاتها تأرجحاً مع حلفائها الغربيين لا سيما الولايات المتحدة، فقررت الانعطاف شرقاً.
وفي خطوة عدّها مراقبون محاولة لدغدغة مشاعر الدول العربية والإسلامية وجذب استثماراتها، اعتمدت جوبا في 23 يناير/كانون الثاني الماضي، سفيراً فوق العادة لدولة فلسطين هو كامل عبد الله، الأمر الذي يُعدّ اعترافاً منها بالدولة الفلسطينية.
وسبق أن أقدمت جوبا على إبعاد نائب مندوبها الدائم في الأمم المتحدة، فرانسيس دينق، من منصبه عقاباً على قيامه بالتصويت لصالح اعتماد فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، بينما كانت تريد الحكومة في جوبا وقتها أن تلتزم الحياد وألا تصوت سلباً أو إيجاباً.
وبدأت علاقة جنوب السودان بإسرائيل منذ ستينيات القرن الماضي، إذ دعمت تل أبيب الحركات الثورية هناك وأسهمت في تسليحها، وعند انفصال جنوب السودان وإعلان استقلالها كانت إسرائيل من أوائل الدول التي تُعلن اعترافها بالدولة الفتية (في اليوم الثاني من رفع العلم الجنوبي في يونيو/حزيران 2011). ووقتها أكدت سعيها تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة مع جوبا. وبالفعل، سمّت إسرائيل سفيراً لها في جوبا، كما أقرت استثمارات ضخمة تُقدر بملايين الدولارات، جلها في إنشاء الفنادق. كما قدّمت وفقاً لمسؤولين في جوبا، معونات لمساعدة عدد من الوزارات هناك.
في المقابل، لا علاقات تاريخية لجوبا بفلسطين، بل إن هذه العلاقات شهدت توتراً، خصوصاً بعد التصريحات التي أدلى بها نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، ووصف فيها جنوب السودان بـ "الدولة اللقيطة".
يقول النائب في برلمان جنوب السودان، القيادي في الحزب الحاكم، اتيم قرنق، لـ "العربي الجديد"، إن موقف جنوب السودان بشأن القضية الفلسطينية يتوافق تماماً مع موقف الأمم المتحدة الخاص بحل القضية سلمياً وتشكيل دولتين.
ويوضح أن "موقفنا حول التصويت الذي تم لاعتماد دولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، كان يقضي بعدم التصويت مع أو ضد القرار لأن سياسة هنية وقتها كانت ضد جنوب السودان بعد أن جاهر بوصفها باللقيطة". ولكنه يؤكد أهمية أن تكون لجوبا "علاقات متوازنة مع كافة دول العالم بما يحقق مصالح الشعوب".
أما العلاقات بين مصر وجنوب السودان، فقد شهدت أخيراً تقدماً ملحوظاً بعد تبادل الزيارات بين البلدين ومحاولات القاهرة إيجاد موطئ قدم داخل الدولة الفتية، لتُشكّل حماية قوية لها فيما يتصل بقضية المياه وروافد نهر النيل.
ويرى مراقبون أن خطوة جوبا باعتماد سفير فلسطيني ربما تكون حصلت بنصيحة من القاهرة التي كان لديها تواصل كبير مع الأولى خلال الفترة الفائتة، وآخر الأدلة زيارة رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، إلى القاهرة أخيراً. وسبق أن استاءت مصر عقب توقيع وزير الري والموارد المائية الجنوبي بول ميوم اكيج مع وزير الطاقة والمياه الإسرائيلي أوزي لانداو، اتفاقاً للتعاون في مجال الري وتحلية المياه ونقلها وتنقيتها، الأمر الذي عدّته مصر خطاً أحمر، لا سيما أن قضية المياه تمثل لمصر بُعداً استراتيجياً.
لكن مصدراً مسؤولاً داخل حكومة جنوب السودان، يؤكد لـ "العربي الجديد" غياب استراتيجية محددة للسياسة الخارجية للدولة الفتية، واصفاً سياستها بالمرتبكة. ويقول إن "خطوة اعتماد سفير فلسطيني تدخل في هذا الإطار، على الرغم من سويتها بالنسبة لأهمية العالم العربي والإسلامي".
أما نائب المندوب الدائم لجوبا في الأمم المتحدة "المُبعد" فرانسيس دينق، فيقول لـ "العربي الجديد" من مقر إقامته في بروكسل، إن "الخطوة تأتي في الإطار الصحيح، إذ إنه لا يمكن لجوبا أن تعادي أي أمة، ويجب عليها أن تكون على استعداد لإقامة علاقات صادقة مع كافة الدول، وأن تنتهج سياسة خارجية متوازنة تحفظ للجنوب مصالحه في المقام الأول".
ويتمسّك بصحة موقفه عند تصويته لصالح فلسطين خلافاً لرغبة الحكومة في جوبا وقتها، موضحاً أن "التصويت كان لمنح الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم كجزء من حقوقهم، فنحن كدولة خرجنا من حرب طويلة عبر تقرير المصير، ولا يمكن أن ننكر ذلك الحق لأي شعب آخر وأن نعترف به وهذا ما تم بشأن فلسطين".
من جهته، يرى نائب رئيس منظمة الأخوة السودانية "الشمالية /الجنوبية" الطيب زين العابدين، أن هناك جملة أسباب قادت جوبا لبناء علاقات دبلوماسية مع فلسطين، على الرغم من أن الأخيرة ليس لديها ما تقدمه لجوبا اقتصادياً أو سياسياً أو دبلوماسياً بشكل مباشر.
ويوضح زين العابدين في حديث لـ "العربي الجديد"، أن "جوبا اكتشفت أن علاقاتها مع تل أبيب لم تأتِ بما كانت تتوقعه وهو ما حدث مع موريتانيا سابقاً، التي حاولت التطبيع مع إسرائيل وتبادلت معها السفراء ثم عادت وتراجعت عن الخطوة لأنها لم تحقق أهدافها".
ويشير إلى أن "هناك تفكيراً خاطئاً بأن التطبيع مع إسرائيل من شأنه تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة واستقطاب دعمها". ويؤكد أن خطوة جوبا باعتماد سفير فلسطيني "تدخل في إطار محاولتها كسب دعم العرب ومن ثم جذب استثماراتهم، لا سيما بعد تدهور علاقاتها مع الغرب بسبب الحرب الدائرة هناك، كما أن الخطوة تجعل الجنوب منسجماً أكثر مع جارته السودان".

سلفاكير ومشار يوقعان اتفاقًا لتقاسم السلطة وإنهاء الأزمة بالبلاد

وقّع رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، ونائبه السابق ريك مشار الذي يقود المتمردين اتفاقًا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لتقاسم السلطة وإنهاء الأزمة الدائرة في بلدهما منذ أكثر من عام، بحسب مراسل الأناضول.
ويأتي هذا التوقيع بعد مفاوضات ماراثونية، أشرف عليها كل من رئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ماريام ديسالين، والرئيس الكيني أوهورو كينياتا مع كل من سلفاكير ومشار استمرت 72 ساعة متقطعة.
وبحسب مراسل الأناضول، تستأنف المفاوضات بين الطرفين لاستكمال القضايا التفصيلية للاتفاق النهائي في 20 فبراير الجاري، على أن يصل الطرفان قبل الموعد بيوم وألا يعودا لبلادهما إلا بالتوقيع على اتفاقية سلام نهائي في إطار أقصاه 5 مارس ، وفي حالة حدوث خروقات ستقوم الهيئة الحكومية لتنمية شرق أفريقيا الإيغاد برفع تقرير إلى كل من مجلس السلم والأمن الأفريقي، ومجلس الأمن الدولي.
وينص الاتفاق الذي وقعاه اليوم على أن تكون هيكلة قيادة الحكومة «الوحدة الوطنية» الانتقالية: الرئيس ويكون من الحكومة، ثم النائب الأول من المعارضة، والنائب الثاني من مناطق الاستوائية 3 ولايات، ومجلس وزراء يضم الرئيس ونائب الرئيس الأول و27 وزيرًا، بحسب مراسل الأناضول.
وتكون نسب تقاسم السلطة كالتالي:60% للحكومة الحالية في جوبا 30% للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة ريك مشار 10% من نصيب المفرج عنهم والأحزاب السياسية الأخرى.
والجمعية الوطنية البرلمان ستتكون من 400 عضو، حيث سيتم إبقاء الأعضاء الحاليين في البرلمان والبالغ عدده 332، ويضاف إليه 68 عضوا جديدا يتم تقسيمهم وفقا لاتفاق تقسيم السلطة.
وسيكون نصيب الحكومة الحالية لجنوب السودان 60 % من 400 مقعد  في البرلمان، و30% للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة ريك مشار، و10% للمفرج عنهم والأحزاب السياسية الأخرى.
ويتم اتخاذ القرارات داخل الحكومة في الفترة الانتقالية بالتوافق بنسبة 80%، أما في الجمعية الوطنية فيكون اتخاذ القرارات بتوافق الآراء، وفي حال فشلت الجمعية الوطنية في الوصول إلى التوافق يكون الحسم بموافقة 80% من أعضائها.
كما نصّ الاتفاق على أحقية الترتيب للفترة الانتقالية التي لاتتجاوز ثلاثة أشهر وتنفيذ اتفاق السلام وتهدئة الأوضاع في البلاد وتسهيل عملية المصالحة الوطنية ووضع الدستور وإصلاح الحكم.
ووافقت حكومة جمهورية جنوب السودان، والحركة الشعبية لتحرير السودان المعارضة، والمفرج عنهم، على وقف إطلاق نار دائم يدخل حيز التنفيذ خلال 72 ساعة من بعد إتمام الاتفاق النهائي.
وهو ينطبق على جميع القوات والجماعات المسلحة أو المليشيات المتحالفة مع أي من الطرفين، وتم الاتفاق على أن تقوم الأطراف المعنية بإبلاغ قواتها على الأرض عن اتفاق السلام الموقع عليه.

منهج جديد للتفاوض حول المنطقتين

قالت الحكومة السودانية ، إن رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوى ثامبو امبيكي ، قد ابتدر منهجاً جديداً لإنجاح الجولة القادمة لمفاوضات المنطقتين مع الحركة الشعبية ، ممثلاً في تحديد نقاط تمهيدية حول تحديد القضايا والمنهج والتفاوض بين الأطراف.
وقال عضو وفد الحكومة السودانية لمفاوضات المنطقتين حسين حمدي  ، في لقاء تلفزيوني بثته فضائية الشروق السودانية ، إن الوساطة أصبحت مقتنعة بعدم جدوى المنهج السابق للتفاوض ، وتجتهد في الوصول لفرص تعزيز نجاح المفاوضات المرتقبة ، وأكد أن اندلاع الحرب لم يكمل حلقات المشورة الشعبية في السابق، سيما وأن قطاع الشمال قد قام بسرقة جهد وتفويض وحقوق
أهل المنطقتين ، وأضاف:" التفاوض ليس محكمة، والوسيط ليس قاضياً، ومواقف قطاع الشمال تكتيكية، ووفد الحكومة جاهز للتفاوض وقتما تم إعلانه".
وأشار حمدي أن الاستعداد العسكري واجب على الدولة ، والجيش مسؤول عن مهمة حماية الوطن وواجبه غير مرهون بالمجريات السياسية، إلا بتوقيع وثيقة ملزمة للأطراف.
وعلي صعيد متصل طرحت الآلية التمهيدية لأهل الشأن بمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق ، ما أسمته بـ"الطريق الثالث".
وقال رئيس الآلية أبشر رفاي ، إن فكرتهم تتمثل في شراكة أساسية في المفاوضات عبر شرعية تمنح لأهل الشأن والاعتراف بهم من كافة الأطراف ، وأشار الي أن الآلية لم تجلس معهم بعد كأهل شأن لتحدد من يمثلهم في مفاوضات المنطقتين بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا.
من جانبه أشار نائب رئيس الآلية التمهيدية لأهل الشأن بالمنطقتين السيد كمندان جودة ، إلى أن قضية المشورة الشعبية ينتهي أجلها بقيام الانتخابات القادمة، والزمن المحدد لها حسب اتفاقية السلام الشامل قد مضى.
وقال جودة إن قطاع الشمال بالحركة الشعبية لديه أجندة خارجية ويسعى لأن يطول أمد القضية، مؤكداً أن آلية أهل الشأن تريد بلورة وجهة النظر بين أطراف النزاع، لإيجاد حلول مستدامة للقضية ، وأضاف "نرتب لاتصالات مع حملة السلاح لتقريب المفاهيم والاحتكام عبر المرجعيات القانونية للمفاوضات".

سلفاكير ومشار يتفقان علي إنهاء الصراع بدولة الجنوب

وقع رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت ، وزعيم المتمردين د.رياك مشار، اتفاقاً لإنهاء النزاع الذي عصف بدولة جنوب السودان الوليدة وينص الاتفاق - الذي جاء توقيعه خلال محادثات في إثيوبيا - على تصور لإنهاء القتال بحلول يوم 5 مارس.
وقال دبلوماسيان إفريقيان يعملان في الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق إفريقيا (إيقاد) لرويترز في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا إنه بموجب الاتفاق الذي وقعه الزعيمان قبيل منتصف الليل سيبقى كير رئيساً لدولة الجنوب في إدارة جديدة يعين فيها مشار نائباً للرئيس.
يشار إلى أن المتحدث باسم الرئاسة في دولة جنوب السودان أتني ويك كان قد أعلن في يناير الماضي أن بلاده ستجري أول انتخابات عامة في الفترة بين مايو ويوليو، في حين أن كير صرح في مايو الماضي بأن الانتخابات العامة المقبلة ستؤجل إلى 2017 نتيجة لاستمرار الاضطرابات والعنف في الجنوب.
ومع توقيع الاتفاق ، تأجلت المحادثات حتى منتصف فبراير من أجل إتاحة الوقت أمام الأطراف المعنية لبحث ترتيبات اقتسام السلطة.
واندلع النزاع في ديسمبر 2013، وتسبب في نزوح 1.5 مليون شخص. وتفيد تقارير بأن نحو 10 آلاف شخص قتلوا في النزاع، الذي كان في المقام الأول بين قبيلة الدينكا التي ينتمي لها كير الرئيس وقبيلة النوير التي ينتمي لها مشار.

الأحد، 1 فبراير 2015

"ديو.." تعبير جارح

أطلق وزير النفط والتعدين في دولة جنوب السودان ستيفن ديو داو تصريحاً غريباً قال فيه إن بلاده ستعيد النظر في ما إذا كانت ستستمر في دفعها للسودان (25) دولاراً مقابل عبور البرميل الواحد، أو فقط (9) دولارات للبرميل. واعتبر "ديو" أن الـ(15) دولاراً الإضافية بمثابة (عمل خيري وطوعي)، وهو التصريح الذي أطلق مساء (الخميس) ويبدو أن أسبابه مرتبطة بالأزمة الجنوبية من حرب أهلية خفضت الإنتاج إلى الثلث وانخفاض للأسعار يجعل قيمة هذا الثلث نفسه بلا قيمة.
ما استوقفني في التصريح التعبير المستفز لـ"ديو" حينما أصر على أن المال المدفوع للخرطوم دعم خيري وطوعي، وهذا غير صحيح وقول به صفاقة عريضة ولا يليق بأي عرف سياسي أو دبلوماسي، ذلك أن تلك الرسوم والمضافات إليها إنما هي في الأصل نتاج اتفاق لحقوق واجبة السداد من جنوب السودان للسودان (ولا على كيفهم)، وهي محصلة نقاش وتفاوض وحوار جلبت له حكومة الجنوب المستشارين من كل أرجاء الدنيا، ومفهوم أن يشعر الجنوب بالضائقة للظروف المعلومة من حرب تدور في حقوله النفطية ومن انهيار لبورصة الذهب، والصحيح مع هكذا أحوال أن تحترم جوبا نفسها ومن تطلب تعاونهم، وتتقدم بمقترحات تراعي تلك الظروف، وهي مقدرة، ولا خلاف عليها، ومن ثم يتم التوصل لصيغ أخرى تحفظ حقوق كل الأطراف.
هذا لم يحدث حتى الآن، وقفز وزير النفط الجنوبي للمنصة وبشكل مستفز وجارح وكأنه يمن على السودانيين وينفق عليهم من بند أبناء السبيل، وهو ما يشير عندي إلى أن التوجهات الكلية للجنوب نحو السودان لا تزال عدائية فالدعم العسكري للحركات المسلحة لا يزال متصلاً وحتى يوم (الخميس) كانت قوافل المتمردين تتسلل من الجنوب تجاه الحدود السودانية لفك الاختناق عن قوات الجبهة الثورية المحصورة في جنوب كردفان وهو سلوك يدل على أن جوبا عدو، وإن حرص وزير خارجيتها المفوه برنابا بنجامين على نفي ذلك.
إن مثل حديث وزير النفط الجنوبي يتطلب ردوداً فورية وواضحة، وطالما أنه من أذاع وشتم فلترد وزارة النفط بالإيضاح والتفنيد السريع لحقيقة ماهية تلك المبالغ المستحقة من الجنوب، وهل هي صدقة ومن وأذى أم هي حق مقر به، وهو الصحيح عندي والراجح، وأتمنى ألا تتأخر وزارة النفط التي صارت بعد "الجاز" لا تتكلم إلا في المواسم والأعياد وخفت صوتها وتراجع.
وأما "ديو" – أو أياً كان اسمه – فعليه إن له كان فضل زاد وقدرة لعمل خيري أن يبر به لاجئي بلاده في جبال إثيوبيا وغابات يوغندا، وأما من هم في السودان فإنهم فوق العين والرأس فقد عادوا لوطنهم ومنبتهم ولن يمن عليهم أحد أو يمتن.

جنوب السودان والانتخابات.. تدخل لا ينقطع

لا تزال علاقة السودان بدولة جنوب السودان عرضة للتدهور بعد كل الذي شهدته من زيارات متبادلة بين الرئيسين وقمم رئاسية ولقاءات جانبية بينهما على هامش القمم الأفريقية في أديس أبابا. ولا تزال ثلاجة أديس تحتفظ باتفاقية التعاون التي وقع عليها البلدان قبل نحو عامين ونصف العام. كون ما اشتملت عليه من اتفاقات ست لم تجد طريقها إلى أرض الواقع وفي مقدمتها الاتفاق الأمني الذي يقضي بعدم إيواء الحركات المسلحة المتمردة ضد أي من الدولتين أو تقديم أي شكل من أشكال الدعم لها، وهو ما عانت منه الخرطوم كثيراً لأن المرجعية الفكرية والسياسية واحدة بين الحركات المتمردة في جنوب كردفان والنيل الأزرق التي هي جزء من الحركة المتمردة في جنوب كردفان والنيل الأزرق التي هي جزء من الحركة الشعبية لتحرير السودان التي انفصلت بالجنوب، فهذا الترابط المرجعي والعضوي هو الذي يفسر الدعم المتصل الذي تقدمه حكومة الجنوب للحركة الشعبية قطاع الشمال ولنظيراتها في دارفور خاصة تلك التي كانت قد ولدت تحت رعاية الحركة الشعبية قبيل توقيع اتفاق السلام الخاص بجنوب السودان، وهي تحديداً حركة تحرير السودان التي كانت تتسمى عند بداياتها الأولى باسم حركة تحرير دارفور قبل أن تحتضنها الحركة الشعبية وتغير اسمها إلى تحرير السودان وتقدم لها خدمات التسويق والدعم في علاقاتها الدولية والإقليمية، وللحركة الشعبية تاريخ قديم في محاولات فتح جبهة في دارفور لتلحقها بجبال النوبة والنيل الأزرق ولتقلل من سندها للحكومات المركزية في الخرطوم من جهة أخرى، وكان أشهر هذه المحاولات حركة يحيى بولاد وها هي تواصل سياستها التدخلية وتستمر في تقديم الدعم والإيواء والإمداد لمتمردي الجبهة الثورية ، ولا تزال الكثير من القضايا العالقة بين البلدين ذات مساس مباشر بالأمن القومي السوداني مثل عدم إنفاذ الجنوب للاتفاق الأمني الذي يحدد خطا صفريا وامتداداً شريطياً على الحدود ينزع فيه السلاح ويخضع للمراقبة المشتركة لمنع أي أعمال تسلل للقوات أو إمداد لها، فضلاً عن الوفاء بالكثير من الالتزامات المالية التي نص عليها الاتفاق كتعويض للسودان في وقت هو أكثر احتياجاً لها.
حاشية :
لا يمكن تجاهل كل ما يحدث من حكومة الجنوب تحت حجة أن الجنوب يمر بمشكلات وأزمات داخلية لا تمكنه من التعامل مع السودان بالشكل المطلوب هو ليس ميزة سلبية بل ايجابية، فهذا هو التوقيت المناسب لتحقيق الأهداف في وقت الخلافات الداخلية في الفريق المناوئ والضغط على يده التي توجعه، فقد بلغ التدخل ذروته في جانبين الأول هو تعقيد الوضع الاقتصادي السوداني أما بالأزمات مثل العدوان على هجليج أو دعم الجبهة الثورية أو يتعمد عدم الوفاء بالاتفاقات حول عبور النفط لتأزيم الوضع ظناً بأنه سيؤدي إلى تغيير النظام في الخرطوم، وها هو التدخل يأخذ شكلاً جديداً للحيلولة دون قيام الانتخابات تارة بتبني الحركة الشعبية  قطاع الشمال لهذا المطلب بعدم قيامها، وتارة أخرى بما أثارته حكومة الجنوب من مراجعة لما تسدده من رسوم عبور وتكلفه معالجة النفط، وهو ما يعني أنها تريد المباغتة بتأزيم الوضع الاقتصادي للتأثير على نتيجة الانتخابات أو إعاقة قيامها. أما آن الأوان للتعامل الحاسم مع حكومة الجنوب التي تسعى لقيام انتخاباتها رغم حربها الطاحنة؟

دعم دولة جنوب السودان للجبهة الثورية... "انقلاب السحر علي الساحر"

الدعم المستمر من دولة جنوب السودان بعد انفصالها هو حقيقة يعلمها البعيد والداني ولم يتفاجأ بها أحد، بل هو دعم أعلن علي لسان الرئيس سلفاكير في خطابه الشهير المسجل الذي شهده العالم ومعظم قادة الدول بإعلان استقلال دول جنوب السودان حيث قال بالحرف الواحد "لن ننسي اخواننا بدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق" وها قد أوفي سلفا بوعده، ولازال يدعم الحركات الدارفورية والجبهة الثورية، هذا الدعم الذي شجع هذه الحركات علي عدم الانصياع لكل دعوات السلام والحوار من الحكومة وحتي الأطراف الإقليمية والدولية، وذلك بعد أن وفرت لها جوبا المأوي والعتاد والسلاح متجاهلة النداءات والتحذيرات من الحكومة السودانية من الاستمرار في تقديم هذا الدعم إلا أن حكومة سلفاكير تضرب بكافة الاتفاقيات والنداءات عرض الحائط وتمضي في دعمها اللامحدود.
إلا أن نار دعمها لهذه الحركات أصبحت تشتعل داخل الأراضي الجنوبية حيث انعكست إلي حرب أهلية تهدد استقرار الدولة الوليدة إذا لم تعصف بها حتي الآن كما جاءت تقارير الخبراء والمحليين الذين أصبح تخوفهم واقعاً بعد اندلاع الحرب الأهلية القبلية بين الحكومة وقبيلة الدينكا والمعارضة بقيادة دكتور رياك مشار آخر هذه التقارير جاء من منظمة الأزمات من مقرها بالعاصمة البلجيكية بروكسل حيث تقول إن الحركات الدارفورية والجبهة الثورية متورطون في الصراع بدولة جنوب السودان حيث كشفت المنظمة أن تلقي الجبهة الثورية الدعم من دولة جنوب السودان ظل مستمراً منذ ما قبل الانفصال وحتي الآن وأشار التقرير إلي أن القتال بين الأطراف بجنوب السودان امتد بسرعة إلي ولاية الوحدة بسبب انضمام متمردي دارفور إلي جوبا معتبراً، أي التقرير أن العناصر الدارفورية باتت تمثل تهديداً رئيساً لتلك الولاية لجهة تركيزها علي القتال في المدن الكبرى والمنشآت النفطية.
وقالت المنظمة أن اتفاقية التعاون بين السودان ودولة الجنوب بعد الانفصال لم تحقق الاستقرار بالمنطقة وان مساعي المنظمات الإقليمية للتوسط جميعها باءت بالفشل نسبة للمصالح التنافسية بين الأطراف المتنازعة في الوقت الذي لم تستثمر فيه القوي الخارجية بشكل كاف لحل النزاعات محذرة فصل الخريف الأمر الذي يتطلب استراتيجيات جديدة في اتجاهات متعددة للحد من التدخل الأجنبي وتقليل نشاط الجماعات المسلحة عبر الحدود والحد من إمدادات الأسلحة إلي الأطراف المتنازعة للتعرف علي كيفية تمويل النزاعات واقتراح تدابير لوقف استخدام عائدات النفط لتمويل الحرب.
كما دعت المجموعة الدولية إلي تنسيق جهود الوساطة لمشاركة أكثر فعالية من قبل مجلس الآمن خاصة الصين والولايات المتحدة والاستفادة من نفوذهما الإقليمي بالغ الأهمية، كما اعتبرت المنظمة في تقريرها أن الوضع بدولتي السودان قابل للاشتعال فالقتال الذي اندلع بدولة جنوب السودان بين القوات الحكومية والمعارضة المسلحة بقيادة دكتور رياك مشار منذ أكثر من عام بسبب الفشل  في حل النزاع بين الحركة الشعبية والجيش فضلاً عن اندلاع الحرب بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، هذا تقرير المنظمة الدولية، ولكن يبقي السؤال هل تعي جوبا هذه المخاطر من دعمها؟..
وتقدم مصلحة جنوب السودان علي الصراعات الانتقالية؟ "الصحافة" اتصلت بالخبير والمحلل الأمني الفريق جلال تاور الذي قال: تقارير هذه المنظمة تأتي وفق معلومات متسلسلة ومتابعة دقيقة للأحداث وهذه المنظمة أيضاً قبل سنوات تنبأت باندلاع أحداث المنطقتين وقد حدث، أما مسألة الدعم الجنوبي لحركات التمرد المسلح السودانية في الحقيقة هناك جملة من الاتهامات المتبادلة بين الجانبين حيث تتهم جوبا، السودان بدعمه للمعارضة المسلحة الجنوبية وكذلك لخرطوم تتهم جوبا، وأن صحت المعلومات فالأمر خطير وإذا بحثنا في الحل فهو ترسيم الحدود وإقامة قوات مشتركة للسيطرة علي هذه الحدود وبسط الأمن كي لا ينجر البلدان إلي حرب لا طائل لها سوي الدمار وتوقف عجلة التنمية.